انتخابات الكويت على الأبواب، والكويتيون هذه الأيام في عرس انتخابي بهيج، وهم في شغل شاغل بالمعترك الانتخابي، يترقبون يوم الانتخابات في 29/6 لاختيار مجلسهم الجديد، ولا حديث في الساحة الكويتية إلا عن المنافسات الانتخابية.

وعن المرشحين وبرامجهم وندواتهم وحملاتهم الإعلانية، الكل مشغول بإجراء التحالفات وعقد الصفقات وتنسيق المواقف وإرسال المسجات عبر الهاتف النقال.

يعيش الكويتيون وعلى امتداد شهر وبالرغم من المناخ الحار اللاهب أجواء احتفالية بديعة، الخيام الانتخابية الفاخرة ـ 5 نجوم ـ منصوبة في كل مكان والموائد والبوفيهات والولائم العامرة مفتوحة للجميع حتى للهنود والبنغاليين الذين يتمنون استمرار تلك المظاهر الاحتفالية..

الزيارات للمقرات الانتخابية نشطة ومكبرات الصوت تصدح والأضواء المتلألئة تنير ليالي الكويت وصور المرشحين والمرشحات بالألوان الجميلة تملأ شوارع الكويت ولقد ازدانت انتخابات الكويت هذه المرة وزادها حلاوة وجمالاً أمران:

مشاركة المرأة الكويتية ترشيحاً وتصويتاً بعد إقصاء طويل دام (4) عقود احتكر فيه الرجل ـ منفرداً ـ العمل السياسي وكان هو اللاعب الوحيد فيه. والأمر الثاني: تلك اللجان الشبابية البرتقالية والزرقاء والتي ابتكرت أساليب جديدة في دعم المرشحين تجدهم يفترشون الأرض ويهتفون.

ـ حقاً ـ العرس الانتخابي الكويتي هو الأجمل خليجياً وعربياً.

ديمقراطية الكويت هي الأعرق خليجياً والكويتيون يفتخرون بنظامهم الديمقراطي ولكنهم الأكثر انتقاداً له، والكويتيون هم الأكثر رفاهية وتدليلاً بين الشعوب، ولكنهم الأكثر شكوى من حكومتهم، دستورهم الذي يعتزون به هو وليد عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وديمقراطيتهم التي يتمسكون بها لها جذور تاريخية عميقة وممتدة ولكنهم دائمو الشكوى والنقد الحاد والعنيف من أي شيء ولكل شيء، لا يكاد يرضيهم شيئاً.

عندما أصدر أمير دولة الكويت الشيخ جابر الأحمد ـ رحمه الله ـ مرسومه التاريخي في 16/5/1999 بمنح المرأة الكويتية حقوقها السياسية كاملة، عارضوه وأسقطوه، واضطر أمير الكويت الشيخ صباح مؤخراً إلى حل المجلس حينما تأزمت الأمور وانسدت سبل التعاون بين السلطتين بسبب معركة تعديل الدوائر، وهو الحل الدستوري الثاني في تاريخ المجلس غير الانقطاعات الأربعة للحياة النيابية منذ أول انتخابات في 1963.

الآن: ما هي المحصلة النهائية للتجربة الديمقراطية الطويلة على الأوضاع العامة في الكويت.

ـ الوضع السياسي، الوضع الاجتماعي، الوضع الاقتصادي، الوضع التعليمي؟! وماذا يقول الكويتيون (أنفسهم) عن الوضع العام؟ ما تأثير العملية الديمقراطية على التنمية الشاملة؟!

الكويتيون أكثر شعوب الأرض انتقاداً لأوضاعهم، وهذا أمر محمود ودليل نضج ووعي ومصدر ثقة بالنفس وبالنظام، إذ لا ينتقد نفسه إلا الواثق الطموح ولكن ماذا بعد ذلك؟ ولماذا تستمر الفجوة وتزداد بين الأهداف والأداء رغم توافر كل الإمكانات والموارد والطاقات؟!

ومن المسؤول؟ وهل بمقدور المجلس المقبل تقديم المعالجة المطلوبة لأوجه القصور أو التسبب في أعرق تجربة ديمقراطية خليجية؟

كثيرون يُحملون الحكومة المسؤولية، ويتهمونها بالتقصير، بسبب غياب الإرادة السياسية الحازمة، وتردد الحكومة أو عجزها عن حسم كثير من الملفات المتأزمة العالقة، ومن أهمها ملف «الفساد» الذي استشرى في أجهزة الدولة والمجتمع (العامة والخاصة). فساد مُركب ذو أربع شُعب سياسي ومالي وإداري وتعليمي، ثابت الأركان، عميق الجذور.

ولذلك نجد بعض المرشحين يتنافسون في الهجوم على الحكومة اعتقاداً بأن ذلك أقصر طريق للفوز من دون أن يقدم أحدهم برنامجاً واضحاً متكاملاً للحل، وعلماً بأن الجميع منغمس في ذلك الفساد، بما فيهم النواب.

ولكن بدرجات مختلفة، وهو ما قال عنه (نبيل الفضل) الفساد في الكويت أصبح كالهواء الذي نتنفس، وكالماء الذي نشرب، وكالتحية التي نلقيها، «الوطن 2/4»، والحكومة بدورها تتهم المجلس بعرقلة وإجهاض المشاريع الكبرى، وتتهم النواب بابتزاز الحكومة بسيف الاستجوابات.

وتنعي على النواب انصرافهم إلى انجاز المعاملات الخاصة لناخبيهم وقبيلتهم وطائفتهم على حساب المصلحة العامة وبالمخالفة للقوانين واللوائح، وأصبحوا يعرفون بنواب (الخدمات) أو (الوساطات)، وهذا أدى إلى تراجع الانتماء الوطني لحساب الانتماء القبلي والطائفي وتراجع مفهوم الدولة الحديثة لحساب مصلحة القبيلة.

كما يقول د. شملان العيسى أو بحسب تعبير آخرين أن الممارسة الديمقراطية جعلت الوزير أسير النائب، والنائب أسير الناخب القبلي والطائفي وأصبح الحديث عن جذب المستثمر الأجنبي «نكتة» حسب تعبير عبدالرحمن الحمود ـ السياسة 22/1.

لقد كان المأمول من العملية الديمقراطية وهي وسيلة لتحقيق أهداف التنمية البشرية وتحويل الفوائض المالية إلى اقتصاد وطني منتج وجعل الكويت مركزاً مالياً وسياحياً متقدماً أسوة بإمارة دبي التي نجحت في تحقيق تنمية لا تعتمد على المورد النفطي وحده وجعلت من دبي مركزاً مالياً وسياحياً عالمياً ومتقدماً وذلك بفضل «رؤية» صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

وهي رؤية تنموية بعيدة المدى تقوم على ركيزة أساسية «بناء الإنسان» ومن يطلع على كتابه «رؤيتي» يدرك أن هذه الرؤية لم. تكن لتتحقق بدون شروطها الضرورية: الإرادة السياسية الحازمة، الكوادر الوطنية المؤهلة، الشفافية، الرقابة، المحاسبة.

الكويتيون الآن، ينتقدون نظامهم الانتخابي ويرون أن تقسيم الدوائر إلى «25» دائرة، أساس البلاء وهو السبب الرئيسي في استشراء الفساد وفي ترسيخ الانتماء القبلي والطائفي والعائلي وتسهيل شراء الأصوات وتهديد الوحدة الوطنية.

ولذلك فالرهان كله على أن المجلس المقبل سيقلص الدوائر الانتخابية إلى «5» دوائر والمعبر عنها انتخابياً «نبيها خمسة» كشعار يتزعمه تكتل النواب المكون من «29» نائباً سابقاً، إضافة إلى اللجان الشبابية البرتقالية المؤيدة.

كاتب قطري