جرت مياه كثيرة تحت جسور بغداد الحزينة، منذ ارتفاع صيحة التحذير الأولى من أن قطاع النفط العراقي يتعرض لموت حقيقي لا يقل خطورة عن وقائع الموت المعلن التي تشهدها العديد من المدن العراقية تحت سمع العالم وبصره.
وإذا كان العراقيون يتعرضون للقتل بدم بارد على يد قوات الاحتلال في مذابح وحشية تعقبها تحقيقات صورية سرعان ما تنداح إلى النسيان، وفي انفجارات تدوي ملء الأفق، وفي صدامات لا يدري أحد أي منطق يقف وراءها، فإن هذا كله يصب في انهيار الحاضر العراقي، أما موت النفط العراقي فإنه يصب فيما هو أخطر، يصب في موت مستقبل العراق، وانطفاء نقطة الضوء الواهية التي تلمع في نهاية النفق العراقي.
موت قطاع النفط العراقي يشمل التنقيب والإنتاج والنقل والتصدير، ويرجع إلى أنه لا الحكومة العراقية تبدي اكتراثاً به ولا قوات الاحتلال يعنيها أكثر من استمرار مسلسل النهب وتطويره مستقبلاً، بأقل قدر ممكن من الإنفاق عليه.
هكذا لم يكن عجيباً أن تتبخر المليارات العشرة من الدولارات التي تم ضخها في عروق القطاع، عبر عقود مريبة، أرسيت كلها على شركات أميركية. ولم يكن غريباً أن يصف خبير عراقي أوضاع 850 بئر نفط في جنوب العراق بأنها مثل الأبقار التي يتم حلبها من دون أن يقدم لها ما تأكله.
ولم يكن مثيراً للدهشة أنه بينما تحدث الأميركيون عن الوصول بمستويات إنتاج النفط العراقي إلى ما يزيد على 6 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2010 فإن هذا المعدل لم يزد في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي عن 1. 7 مليون برميل يومياً. ويبدو أنه نظراً لمزيج الرماد والغمام والسواد الذي يلف الأفق العراقي اليوم، فإن الكثيرين لم يفهموا أصلاً ما الذي يعنيه التحذير من موت قطاع النفط العراقي.
من هنا، بالضبط، طرح التساؤل: أليس قطاع النفط العراقي نظاماً أو نسقاً اقتصادياً يمكن أن يقوى ويضعف بما يستبعد الحديث عن موته بداهة ومنطقاً؟
ونقول: بلى، قطاع النفط العراقي نسق اقتصادي يقوى ويضعف، ولكنه عندما يصل إلى ما نراه اليوم فإنه يكون عرضة لموت حقيقي لا مجال لإنكاره، ومعه يتعرض مستقبل العراق نفسه للموت، بل يصبح وجوده ككيان سياسي على المحك. رغم الغموض والفوضى والالتباس وضياع الحقيقة تحت الأفق العراقي.
وعلى الرغم من جفاف اللغة التي يستخدمها خبراء النفط وغرقها في عدد هائل من المصطلحات الفنية الغامضة، إلا أننا نستطيع أن نقدم للقارئ لمحة من أحدث التطورات على مستوى قطاع النفط العراقي، ونترك له أن يحكم بنفسه ما إذا كنا محقين في الحديث عن موت هذا القطاع من عدمه. في صدد هذه اللمحة يمكننا تبين الحقائق التالية:
أولاً: لم يعد سراً يخفى على أحد أن كارثة مرعبة تختمر الآن من جراء قيام مسؤولين عراقيين بإصدار تعليماتهم بالتخلص من مقادير هائلة من المادة المعروفة باسم «الزيت الأسود».
وهي إحدى المنتجات الثانوية الناتجة عن دوران دولاب العمل في مصفاة بيجي التي تعد أكبر مصفاة في شمال العراق، والتي كانت تصدر للخارج في السابق، وذلك عن طريق ضخها إلى الأودية المفتوحة غير بعيد عن نهر دجلة والتخلص منها بإشعال النار فيها، الأمر الذي أدى إلى انتشار الدخان، وصولاً إلى تكريت على بعد 65 كيلومتراً من مكان الضخ.
ثانياً: يقدر الخبراء أن 40% مما تنتجه المصافي العراقية يتدفق في صورة هذه المادة الثقيلة، التي كانت المصافي الأجنبية تستوردها لإجراء المزيد من عمليات التكرير عليها، لكن العقبات التي تعترض قطاع التصدير أدت إلى قرار التخلص منها بهذه الطريقة، أي بإرسالها عبر خطوط أنابيب خاصة لتنداح بصفة خاصة في منطقة فحول الجبلية.
ورغم الشكاوى من الدمار الهائل للبيئة عن طريق تلوث الهواء وتسرب هذه المادة النفطية إلى مخزون المياه الجوفية في مناطق يعتمد العديد من مدنها وبلدانها على الآبار، فإن شيئاً لم يحدث، على سبيل تدارك هذه الكارثة، التي عقب مسؤول أميركي عليها بالإقرار بأن مصفاة بيجي لا تزال تضخ تسعين ألف برميل يومياً من المواد المكررة.
مما يعني أنها تنتج ستة وثلاثين ألف برميل يومياً من «الزيت الأسود» يجري التخلص منها بهذه الطريقة، وأنه لا أحد يمكنه القيام بشيء في هذا الصدد، لأن مصافي العراق ستصل إلى حد التوقف الكامل عن الانتاج إذا لم يتم التخلص من هذه المادة بشكل أو بآخر.
ثالثاً ـ بلغت الكارثة من الخطورة الحد الذي اضطرت معه نرمين عثمان حسن وزيرة البيئة العراقية إلى التدخل، بالكتابة إلى مسؤولي قطاع النفط، شاكية من العواقب الوخيمة لهذه الكارثة، وكان رد الفعل الوحيد هو الكف عن إشعال الحرائق في البحيرات الهائلة من هذه المادة مع الاستمرار في ضخها في الوقت نفسه.
رابعاً: حيال توالي الضغوط ووصول أنباء الكارثة إلى المنظمات الدولية المعنية بحماية البيئة، كان رد الفعل الوحيد من المسؤولين الأميركيين الذين «يتابعون» أوضاع قطاع النفط العراقي هو اقتراح نقل «الزيت الأسود» المتراكم في بحيرات قاتلة في المنطقة عن طريق سيارات صهريج مملوكة لإحدى شركات النفط.
خامساً: عقب إبراهيم بحر العلوم، الذي شغل منصب وزير النفط العراقي خلال الفترة من سبتمبر 2003 إلى يناير 2006، عندما قدم استقالته احتجاجاً على تردي أوضاع قطاع النفط العراقي ـ عقب بقوله ان الخطة الأميركية ربما لم تتم دراستها بالقدر الواجب من الاهتمام، فالطرق في المنطقة وعرة.
ويستحيل اجتيازها على امتداد مسافات طويلة، ولكي تترك تأثيراً عملياً يخفف من حجم الكارثة ونطاقها فلابد من استخدام أسطول يضم مئة وخمسين سيارة صهريج على الأقل يغادر بيجي للتخلص من الإنتاج الحالي من مادة «الزيت الأسود» والتوصل الى هذا العدد من السيارات وتحميلها بصورة منتظمة بـ «الزيت الأسود» سيكون مهمة حافلة بالتحديات في أفضل الأحوال.
سادساً: يكتمل هذا الملمح الدال لما يجري في قطاع النفط العراقي بتقرير لخبير بيئي عراقي، هو المهندس إياد يونس، الذي زار المنطقة ووصفها بأنها أقرب إلى أرض مستنقعات مؤلفة من تربة مشبعة بالنفط وبحيرات هائلة من الزيت الأسود تملأ أودية جبلية بكاملها، والسحب السوداء الناجمة عن إشعال النار فيها تمنع التنفس والرؤية في المنطقة، وتشكل خطراً بيئياً رهيباً.
لا تحتاج هذه اللمحة أو الصورة الواقعية إلى أي إضافة لكي تطلعنا على واقع قطاع النفط العراقي وما يجري فيه، حيث نلمح بوضوح الأسس الخاطئة هندسياً وفنياً التي تدار عليها عملية الإنتاج، جنباً إلى جنب مع العجز عن تصدير «الزيت الأسود» والإقدام بدلاً من ذلك على التخلص منه بطرق تكفل تدمير البيئة والإضرار بالبشر على السواء، ثم يأتي عدم الاكتراث ـ إلى حد الاستهانة ـ من جانب الأميركيين الذين «يتابعون» القطاع، وأخيراً اللامبالاة من جانب المسؤولين الحكوميين العراقيين بما يجري على الأرض.
يقيناً إن نهر الدم الجارف في العراق يستحق التصدي لإيقافه، وفي الوقت نفسه فإن قطاع النفط العراقي يستحق التحرك سريعاً لإنقاذه من موت محقق.
لهذا، بالضبط قلنا في السابق، وسنكرر لاحقاً، إن أي خطة عمل استراتيجي عربي في العراق لابد أن تكون لها ذراعها النفطية، وهذه الذراع ربما تكون السبيل الوحيد لإبقاء بقعة الضوء في نهاية النفق العراقي الحزين.
رئيس قسم الترجمة ـ «البيان»
kamel@albayan.ae
