بحكم توقيتها دخلت عملية «الوهم المتبدد» على خط الحوار الفلسطيني كان هذا الأخير في مرحلة، وضع اللمسات الأخيرة عليه، قبل ولادته؛ التي طالت والتي عكست صعوبتها مدى التعثر وعمق الخلافات الداخلية، ردود الفعل وخاصة التهديدات الإسرائيلية بعمل عسكري كبير إذا لم يتم الإفراج عن الجندي المخطوف أو إذا حصل له أي أذى؛ تسبب في اندلاع تراشق متبادل بين الرئاسة الفلسطينية وحماس، الأولى اعتبرت العملية «خرقاً للتفاهمات» بين قيادات الفصائل، الثانية رفضت هذا الكلام.

ورأت أن «من ينتقد المقاومة هو الذي يخرج عن الإجماع الوطني»، من جديد توترت الأجواء المتوترة أصلاً؛ واستدارت الجهود باتجاه العملية وتداعياتها ومن جديد تعكرت مناخات الحوار وتوقفت، على ما يبدو ،الحركة الناشطة لإخراجه إلى حيز الوجود.

إذا كان من المفهوم والمقبول أن تتباين وجهات النظر والمواقف من توقيت الوهم المتبدد»؛ فإنه من غير المقبول، الذي يلحق أفدح الأضرار بالساحة الفلسطينية أن يتحول التباين إلى تراشق يهدد بتبديد فرص التوافق الموعود؛ والذي بشرت أطرافه باقتراب لحظة ولادته وتدوينه باتفاق يلم الساحة على بعضها؛ استجابة لتحديات المرحلة ومتطلباتها، والمنطقي أن تؤدي هذه العملية إلى تسريع الاتفاق؛ لا إلى إعاقته، حتى لا نقول إلى نسفه.

أولاً: لأنه حاجة ماسة وضرورة تتخطى هذه اللحظة؛ ولم تعد قابلة للتأجيل. ثانياً لسد الطريق على محاولات إسرائيل الرامية إلى تأجيج الخلافات الفلسطينية، وصب الزيت على نارها، تل أبيب بارعة في هذه اللعبة، مارستها باستمرار وراهنت عليها.

الوضع الفلسطيني بالرغم من احتقاناته وتناقضاته، صمد ولم يقع في هذا الفخ كما تشتهي تل أبيب، اقترب من الوقوع لكنه تراجع. والآن هو أمام اختبار جديد. المطلوب تفويت الفرصة، مرة أخرى، على محاولات التلاعب واللعب على وتر الخلافات الفلسطينية، والضمانة لإحباط هذا التوجه تكمن في عدم السماح لـ «الوهم المتبدد» أن يُخرج الحوار عن سكته، أو أن يعيده إلى المربع صفر.

والفصل بين الاثنين هو المدخل، وفي هذا الصدد الأوراق الفلسطينية كثيرة وقوية، فالاحتلال الإسرائيلي الذي عمل من أسر أحد جنوده مناحة يتسلح بها للتهديد باجتياح غزة والقيام بعمل عسكري عدواني كبير؛ هو الذي تعمد التمادي في سياسة القتل والاغتيال اليومي الذي طاول المدنيين والأطفال الفلسطينيين؛ على مدى الأسابيع الأخيرة.

وهو الذي سعى وراء رد يتخذه ذريعة للتخريب على كافة المحاولات والمساعي المؤدية إلى ترتيب البيت الفلسطيني وبالتالي إلى دعوته مجدداً إلى طاولة المفاوضات، فهو دأب على اللجوء إلى مثل هذه الممارسة منذ أن اتخذ قراره بالفصل الأحادي الذي ينسف فكرة التشويه المقبولة وقيام دولة فلسطينية معقولة.

ثم إن الموقع الذي حصل استهدافه هو موقع عسكري وليس مدنيا؛ يمارس مع غيره من المواقع كافة ضروب الترويع والحصار والاغتيال.

وإسرائيل من المرجح، على سالف العادة، أن تقوم بعمل عسكري كبير. الغاية تأزيم العلاقات الفلسطينية من خلال التذرع باسترجاع الجندي أو الانتقام له. المناعة الفلسطينية مرة أخرى على المحك.