الدم النازف في العراق بفعل المجازر الجماعية والغارات الجوية الإرهابية على القرى والمدن العراقية، وبفعل الهجمات الإجرامية على المساجد والحسينيات وقتل الهوية.

وبفعل تفجير السيارات أمام المستشفيات والمدارس والأسواق الشعبية وفي دور العجزة والمسنين، لا يمكن بأي حال أن يتصور عاقل أن وراءها قوي إسلامية أو قومية أو وطنية.

أتحدث عن القوى الحقيقية التي تمثل بفكرها التوحيدي خير الشعب والوطن في هذه الدوائر غير الإرهابية، وليس إلى بعض المنتسبين إليها، أو المتسللين فيها أو شهود الزور عليها ممن لا يرعون في الله أو الوطن حرمة ولاذمة، وليس لأي منهم قلب بشرى يخفق لهلع طفل يقتل أبوه أمام عينيه أو صرخة أم مفجوعة باختطاف ابنها أو لوعة أسرة باغتيال عائلها.

حرمة جريمة الترويع في الإسلام يعرفها كل مسلم بالضرورة سني أو شيعي، وحرمة جريمة القتل للبريء يؤكدها كل قانون إنساني، والقتل للفرد الواحد بغير نفس أو فساد في الأرض تعادل عند الله خالق النفس وواهب الحياة جرائم قتل الناس جميعا.

وخروج المسلمين بالسلاح لقتال بعضهم البعض يجرم بالإثم كلا من القاتل والمقتول.. فكيف يمكن بعد ذلك لمسلم حقيقي أن يكون مجرما إلا أن يكون غير مسلم يتخفى في ثياب المسلمين أو يكون بجهله أو تعصبه عميلا لغير المسلمين وشاهد زور على قيم الإسلام العظيم ؟

الإسلام يجرم ويحرم «الاقتتال» بين المسلمين، لكنه يبيح القتال للدفاع ضد المعتدين على ديار وأعراض وثروات شعوب المسلمين وللانتصار من الظالمين للمظلومين أيا كان دينهم أو جنسهم أو مكانهم، ولهذا يعرف أي مسلم حقيقي بالضرورة أن القتل جريمة وأن الاقتتال الأهلي فتنة أشد جرما، ولهذا لا يمكن تصور أن يمارس الإرهاب ضد الأبرياء أحد من المسلمين العارفين، وإنما يمكن فقط ترجيح أنها المخابرات الصهيونية والأميركية وعملاءها.

ولايوجد قومي عربي مخلص، بفكره الذي لا يفرق بين مسلم ومسيحى أو يهودي، يمكن أن تبيح له مبادئه قتل أو إرهاب المواطنين الأبرياء، لأن العروبة في فهمه ثقافة حضارية تجمع كل عربي أيا كان دينه، وتتعامل مع القوميات الأخرى على أساس الأخوة في الدين الواحد وفى الوطن الواحد، والثقافة الحضارية لا يمكن أن تبيح الدمار ولا تسعى إلى وحدة وطن من أجل قتل إخوانه المواطنين، ودعم أعدائه المحتلين !

كما لا يمكن لوطني عراقي شريف أيا كان دينه أو مذهبه أو عرقه أو لونه أن يشارك في خراب وطنه أو قتل أهله ومواطنيه أو يمارس الإرهاب، إلا أن يكون واحدا من أعدائه لا واحدا من أبنائه، إن الشيء الوحيد الذي يمكن له أن يفعله من أجل تحرير وطن محتل هو قتال المحتلين والتصدي للمجرمين العملاء من الإرهابيين لأن الدين لله والوطن لكل المواطنين.

إن المشهد العراقي الدامي الانتحاري الحزين الذي نتج عن الاحتلال العدواني الأنجلو أميركي، و الذي يؤرق ضمير كل مسلم وكل عربي وكل وطني عراقي من كل قوم ودين، يتطلب من الوطنيين العراقيين دون إقصاء لقوة وطنية من القوى السياسية والمذهبية العراقية ودون إسقاط خيار المقاومة ضد الاحتلال العمل على الوصول إلى صيغة للمصالحة الوطنية الشاملة بهدف وقف شلال الدم العراقي المهدور في وقفة من أجل عراق كل العراقيين.

لقد نجح الجهد العربي الإيجابي في عقد مؤتمر الوفاق الوطني برعاية الجامعة العربية في القاهرة انطلاقا من الترابط العميق بين ضرورة الأمن الوطني لكل بلد عربي في تعزيز الأمن القومي للأمة كلها، وعندما يتعلق الأمر بالعراق الجناح الشرقي للوطن العربي.

والعمق الاستراتيجي لأمته الإسلامية، وإدراكا لحقيقة مقولة « أن مصير العرب أصبح الآن معلق بمصير العراق»، فلابد لهذا الجهد العربي من التواصل مع الجهد الإسلامي لعقد المؤتمر الثاني للوفاق العراقي في بغداد أو في طهران أو في القاهرة للحوار وصولا إلى طرد الاحتلال، وإطفاء نار الفتنة الأهلية التي يشعلها المحتلون.

ولإرساء قواعد المصالحة الوطنية الشاملة التي تقوم على الشراكة الوطنية العادلة في السلطة والثروة والمواطنة بين جميع الفرقاء لتحقيق الحرية والوحدة والتنمية بالوسائل الديمقراطية من أجل أمن وسلام ورخاء العراق ليعود من جديد وطناً مستقلاً وآمناً وعزيزاً لكل العراقيين.

mamdoh77t@hotmail.com