تحتل السياسة الخارجية مكانة غاية في الأهمية لكل دولة. فالعلاقة بين الدولة والسياسة الخارجية علاقة وطيدة إلى أبعد الاحتمالات الممكنة. فلا وجود لدولة من دون سياسة خارجية لها تؤكد استقلاليتها الرسمية وتبرز مكانتها بين الدول في النظام الدولي، إضافةً إلى كون السياسة الخارجية مرآة لمواقف الدولة تجاه القضايا الدولية المختلفة.
إن صناعة القرار السياسي الخارجي تختلف من دولةٍ إلى أخرى بناءً على طبيعة النظام السياسي للدولة. فاتخاذ القرار السياسي الخارجي إما أن يكون متسلسلاً عبر مؤسسات سياسية مختلفة في الدولة وهذا يطبق في الدول ذات الطبيعة الديمقراطية أو أن يكون القرار السياسي الخارجي في يد نخبة سياسية محددة أو فرد معيّن.
والسياسة الخارجية بطبيعتها تتأثر بمحددات داخلية وخارجية مثل العامل الجغرافي والسكاني وبنية الهيكل الاجتماعي والقدرات العسكرية وشكل النظام الدولي بالإضافة إلى عدة عوامل أخرى. وما يؤثر بصورة كبيرة على الدولة وسياستها الخارجية في عصر سرعة الاتصالات أو ما يهدد وجودها بالأحرى هو العولمة.
والعولمة إذا ما نظر إليها من الجانب السياسي فإنه يقصد بها درجة عالية من التشابك والتعقيد والتداخل في العلاقات الدولية نتيجة التطور غير المسبوق في مجال تقنية الاتصالات، الأمر الذي أدى إلى تداعي الحواجز (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية) بين المجتمعات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هل ينتهي دور الدولة في ظل العولمة؟
يعتقد الكثير من المفكرين بل قد يجزم البعض منهم أن العولمة من شأنها أن تضعف الدولة بشكلٍ عام حتى تهمشها تماماً كي لا تقف أمامها عائقاً أو عقبة في عملية دمج الشعوب والثقافات ... الخ التي من شأنها بناء مكان عالمي محدد وجديد يعرف بـ (الدولة العالمية) ومازالت الدولة في معترك مع العولمة كي تثبت حضورها ووجودها.
وهذا بالتالي يؤدي إلى تغيير أهداف سياستها الخارجية من حينٍ إلى آخر، وذلك في سبيل وضع أهداف تتماشى مع المتطلبات العالمية.
ومازالت كثيرٌ من دول العالم تحاول مضاعفة جهودها لزيادة قوة حضورها السياسي الخارجي، محاولةً في الوقت نفسة خلق مجال للنفوذ على مستوياتٍ عدة منها السياسي والاقتصادي والثقافي يتخطى مجال حدودها الجغرافية معتمدة في ذلك على توظيف معطيات ثورة الاتصالات المعلوماتية التي تستطيع ومن دون مبالغة أن تحول العالم بأسره إلى قرية صغيرة تذوب فيها الثقافات وتمسح فيها الحدود الجغرافية بين الدول نتيجة التطور الرهيب في مجال التكنولوجيا والاتصالات والمعلومات.
ففي ظل عصر العولمة ظهر نوع من التداخل في المجال الخارجي والداخلي للدولة الأمر الذي يؤدي إلى تآكل وتفتيت مسألة السيادة الوطنية للدولة. ومن الطبيعي أن يكون هذا التآكل متفاوتاً من دولةٍ إلى أخرى. وعليه إذاً نجد أن الدولة تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تركز طاقتها وتصب اهتمامها على مجال سياستها الخارجية، وجعلها تتماشى قدر الإمكان مع المتغيرات العالمية في النظام العالمي الجديد.
و لقد باتت العولمة اليوم تشكل تحدياً واضحاً وخطيراً من شأنه إضعاف دور الدولة وذلك عن طريق إلغاء الحواجز والحدود الدولية بين الدول. وهذا إضافةً إلى قيام العولمة بإلغاء الحدود الجغرافية للدولة هناك أمرٌ آخر غاية في الخطورة، فالعولمة تهدف أيضاً إلى إلغاء السيادة الوطنية للدولة.
وهو أمر يؤدي إلى اضمحلال مكانة الدولة وعليه فإنه يصل الخطر أيضاً إلى تهديد الثقافات العالمية والخطر يتمثل في مسح الهوية الخاصة بكل شعب وإحلال ثقافة عالمية واحدة محل كل ثقافة موجوده على سطح الأرض.
تمثل السيادة الروح في الكيان الوطني (الدولة) ولا يمكن بناء أي وطنٍ إلا من خلال العناصر الأربعة المكونة للدولة وهي الشعب والأرض والحكومة والسيادة، وبغياب أي عنصر من هذه العناصر لا يمكن للدولة القيام ولا يكتب لها الحياة.
كذلك من ظواهر العولمة السياسية التي قد تتسبب بصورة مباشره أو غير مباشر في تآكل السيادة الوطنية للدولة، مسألة ظهور الديمقراطية العالمية أو عولمة الديمقراطية التي نتجت في ظل وجود فلسفة سياسية عالمية جديدة تنص على إحلال الديمقراطية محل السيادة الوطنية وهو ما تقوم بعمله بعض الدول الكبرى مثل:
الولايات المتحدة الأميركية عن طريق استخدام العولمة، حتى إن بعض المفكرين أطلق مصطلحاً أخر لمثل هذه العملية التي يتم بمقتضاها توظيف العولمة لتحقيق أهداف معينة باسم الأمركة بدلاً عن العولمة.
هنالك أيضاً بعض التشابه بين العولمة السياسية والعولمة الاقتصادية في مسألة تدمير وتفتيت السيادة الوطنية للدولة. ويتضح لنا ذلك من خلال قيام منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي بفرض نمط معين من السياسات العامة والسياسيات الاقتصادية على دول العالم الثالث .
والتي تلحق الضرر بطبقة معينة من طبقات المجتمع مثل أصحاب الدخول المحدودة ونتيجة لمثل هذه الأضرار تشب أعمال العنف السياسي داخل الدولة الأمر الذي يؤدي إلى زعزعة السيادة الوطنية ووضعها في موقف يكون محفوفاً بالمخاطر.
ستظل الدولة متشبثةً بالسياسة الخارجية محاولةً صياغتها في أقوى وأرقى صورة ممكنة، لإثبات كيانها على الساحة الدولية متخذةً بعين الاعتبار كل الظروف والمتغيرات الدولية والعالمية، وكل ذلك في سبيل زيادة حضورها الدولي، وذلك كي تمنحها السياسة الخارجية مناعة حصينة تمكنها من الصمود في وجه أمواج العولمة العاتية.
جامعة الإمارات قسم العلوم السياسية
ali_alahbabi@hotmail.com
