تضاهي الديمقراطية الفلسطينية نظيراتها في العالم وبشكل خاص نظيرتها الإسرائيلية لكن الأخيرة تهتم بالشأن اليهودي على حساب الفئات الأخرى من ديانات وأعراق.
ليس من قبيل الخطأ إذا ما اعتقدنا أن الديمقراطية الفلسطينية قد وصلت إلى مستوى الديمقراطية الهندية العريقة على الرغم من انعدام الاستقرار وحصول المحن والكوارث التي حلت بالفلسطينيين وحولتهم إلى كتل بشرية متناثرة في وطنهم الأصلي فلسطين وفي الشتات.
في المجتمع الفلسطيني توجد أكبر نسبة في العالم من حيث تعداد الأحزاب والحركات السياسية المسجلة رسمياً وغير المسجلة. هذا إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني مثل اتحاد نقابات العمال واتحاد الطلبة ونقابات المهنيين وروابط وجمعيات تمثل المهندسين والأطباء والمعلمين وأصحاب المهن الأخرى.
ومثلها رابطة المرأة والأسرة ورعاية الطفولة وجمعيات رعاية ذوي الأسرى والمعتقلين وغيرها الكثير. كل هذه وتلك لديها أنظمة انتخابية داخلية تمارس الديمقراطية بين أعضائها بكثير من النزاهة والشفافية. بمجملها تشكل جميعاً روافد أساسية ونوعية مهمة لبحر الديمقراطية الفلسطينية ومرج الحرية الواسع والريادي في المنطقة وفي العالم.
الأحزاب الفلسطينية السياسية الحالية ليست وليدة الساعة بل بدأت أمهاتها منذ مطلع القرن العشرين لكنها ظهرت بشكل واضح بنشاطها المتزايد رغماً عن ظروف التخلف التعليمي والاستعمار التي نتج عنها أخيراً الاحتلال الإسرائيلي لعموم الوطن الفلسطيني.
الاحتلال الإسرائيلي نفسه ساهم! بتقوية واشتداد سواعد معظم هذه المؤسسات الديمقراطية حيث لكل منها تجربة مريرة مع الاحتلال؛ لذلك من الطبيعي أن يصبح كل منها رمزاً للمقاومة والصمود في مواجهة آلة القمع والتصفية والاقتلاع الإسرائيلية ضد تلك المؤسسات.
الحركات والأحزاب الرئيسية الفلسطينية تمتد بفكرها السياسي من أقصى يمين الطيف السياسي إلى أقصى يساره؛ خليط من الليبراليين والمحافظين إلى جانب أحزاب ذات صبغة يسارية عمالية شيوعية ماركسية وأخرى يقودها مثقفون سياسيون من مختلف الثقافات والمعتقدات.
يدل ذلك على مدى انفتاحية المجتمع الفلسطيني الواسعة وعمق وعراقة روح الديمقراطية الفلسطينية بتقبل الشعب الفلسطيني لمختلف التيارات الحزبية والفكرية. لهذه الأحزاب منفردة أو بشكل جماعي من القوة والتأثير الفريد من نوعه ما يجعل للشارع الفلسطيني القول الفصل في صنع قرار القيادات السياسية الرسمية عند رسم سياستها الداخلية والخارجية.
مثال واقعي على زركشة ثوب الديمقراطية الفلسطينية فالسلطة الفلسطينية الآن بقيادة أبو مازن المحسوب على حركة فتح ذات الطبيعة الليبرالية البراغماتية ورئيس وزرائه إسماعيل هنية المحسوب على حركة حماس المحافظة.
وتتوزع حقائب الوزراء ومقاعد البرلمان الفلسطيني على مختلف مرشحي الفئات والحركات والأحزاب السياسية، كل حسب نشاطه وثقله الشعبي في المجتمع الفلسطيني. أكثر شعوب العالم ممارسة لحكم نفسه بنفسه هو الشعب الفلسطيني وهو المسؤول عن التعامل وبشكل مباشر مع كافة الأمور التي لها علاقة بالقضية الفلسطينية المقدسة لديه.
حتى أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي كان صاحب شعبية هائلة والقول الفصل في معظم الأمور، كثيراً ما كان يعزو عدم خوضه في تقديم تنازلات تخص القضية الفلسطينية بسبب معرفته المؤكدة بأن غضب الشارع الفلسطيني على مسؤول، أو عدم رضاه عن أمر ما، هو شيء حقيقي وسيكلف ذلك المسؤول كثيراً.
يختلف الأمر كثيراً عن بعض نظم دول المنطقة الأخرى حيث معظم الأمور من البسيطة إلى الحساسة بيد زعيم الدولة الأوحد والمتفرد في اتخاذ قرارات، حتى القرارات التي تتميز بأنها ذات طابع مصيري.
ربما هذا التفرد بالديمقراطية المفرطة لدى الفلسطينيين حالة خاصة بشعب تعرض لأكبر نكبة في التاريخ البشري القديم والحديث المتمثلة بحرمانه من حقوقه الوطنية وإلى إلحاق شديد الأذى والضرر بحقوقه الإنسانية الأساسية تبعاً لذلك. تلك المآسي أدت إلى دعوة كل فرد من المجتمع الفلسطيني إلى تحمل مسؤوليته في مواجهة المواقف الصعبة المجحفة التي حلت به وعلى مدى ما يقارب القرن من السنين العجاف.
لا تنسجم الديمقراطية الحقيقية مع تطلعات القوى الإقليمية والدولية الغربية المتحكمة، خاصة إذا ما كان الدين عنصراً أساسياً في مكوناتها وتوجهاتها. الدول الغربية بشكل عام لها ماضٍ استعماري ومعايير محددة اتجاه التعامل مع الديمقراطيات الأخرى؛ الولايات المتحدة الأميركية الآن كما الدول الأوروبية في السابق معتادة على أنظمة حكم من صنع أيديها.
«ديمقراطيات» من مثل نظام حكم فيرديناند ماركوس الثري على فقراء الفلبين وزوجته إميلدا ذات الولع غير العادي باقتناء الأحذية العالمية الفاخرة، أو نظام حكم شاه إيران الإمبراطوري الذي كان يعتمد في حكمه على أمجاد أجداده الأباطرة تاركاً معظم شعبه غارقاً في البؤس، أو نظام حكم الإمبراطور «باتيستا».
في كوبا الذي كان مولعاً بتملك الشركات الأجنبية لخيرات بلاده الزراعية، أو نظام حكم حامد قرضاي صاحب التوجهات الرأسمالية الشركاتية في أفغانستان ونظام حكم جلال الطالباني المعتمد على المحاصصة الطائفية والعرقية في العراق؛ والحبل على الجرار...
بهذا الصدد من الممكن أن ترضى الديمقراطيات الغربية عن نظيرتها الفلسطينية فيما لو تحول أبو مازن إلى ماركوس أو باتيستا أو قرضاي أو طالباني الأراضي المحتلة في فلسطين.
ربما!، بل لا غرابة في أن تفرض الحكومة الأميركية وبالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية حصاراً وقيوداً سادية مذلة على الديمقراطية الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي. الهدف كما يبدو إثبات أن نظام حكم لا ترضى عنه الإدارة الأميركية لا يستأهل حمل صفة الديمقراطية وسيكون مصيره مصير الكثير من الأنظمة المصنفة على أنها مارقة على السياسة الأميركية.
وفي الحالة الفلسطينية بالذات سهل جداً على الإدارة الأميركية أن توجه ضربة قاضية للنظام الديمقراطي الفلسطيني، بسبب الاعتماد الفلسطيني المفرط بل شبه الكلي على الدعم والمساعدات الخارجية.
الجميع يعرف أن الفلسطينيين يخوضون صراع وجود وليس صراع حدود مرير في الضفة الغربية وقطاع غزة مع إسرائيل المدعومة كلياً من الجانب الأميركي في كل خطوة تقوم بها إسرائيل ضد الديمقراطية الفلسطينية. لا يحتاج زعماء الديمقراطيتين الإسرائيلية والأميركية إلى جهد عقلي كبير في خلق ذرائع ومبررات لضرب الديمقراطية الفلسطينية الحقيقية.
هذه المرة الذريعة هي وصول حركة حماس المتشددة! فكرياً ودينياً إلى السلطة؛ عليها أن تقدم تنازلات رئيسية وجوهرية وأساسية وعلى الثوابت والمبادئ لكي تصبح ديمقراطية مرضياً عنها إسرائيلياً وأميركياً.
التنازلات السياسية تشمل الاعتراف بشرعية الوجود الإسرائيلي في فلسطين التاريخية والثاني الاعتراف باتفاق أوسلو الذي زاد من شرعية الاحتلال الإسرائيلي للضفة وغزة، على الأقل من وجهة نظر حركة حماس. مقابل هذين التنازلين لا توجد على الإسرائيليين أية التزامات تحفظ حتى ماء وجه الطرف الفلسطيني.
التنازلات الفلسطينية الأخرى المطلوبة في مجملها تلغي الديمقراطية الفلسطينية الحقيقية وتحولها إلى شكل هزيل لا يرضى عنه الشعب الفلسطيني لكنه مرضي عنه فقط من جانب الإدارتين الأميركية والإسرائيلية.
لم تقم الإدارة الأميركية بتقديم الحد الأدنى من العون لدعم الديمقراطية الفلسطينية، على العكس من ذلك تحولت حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يطاق بسبب عمليات تشديد الحصار الخانق عليهم تحت الاحتلال. إضافة إلى ذلك تطالب الإدارة الأميركية بقية دول العالم ومؤسساته المالية بالمساهمة في تشديد الحصار وإدامته عن طريق مراقبة حتى عمليات تحويل الأموال الفردية المرسلة إلى العائلات الفلسطينية المعوزة المحاصرة.
إن توطيد الديمقراطية الحقيقية في فلسطين يخدم بشكل أفضل السلم والأمن المحليين والإقليميين والدوليين، وذلك خير للإدارة الأميركية من انقيادها الأعمى وراء «الديمقراطية الإسرائيلية العنصرية» التي قادت المنطقة إلى حروب مفتوحة وقلاقل وكوارث لا حصر لها.
جامعة الإمارات