في خشوع استمع المصلون إلى خطبة الجمعة في كل مساجد دبي، وهي الخطبة الموحدة، والتي كان موضوعها في الجمعة الفائتة يدور حول الخمر (أم الكبائر).

استمع الجميع إلى مخاطر الخمر، على الفرد، وعلى الأسرة، وعلى المجتمع، وتعرفوا على أسباب تحريمها بنصوص القرآن وشواهد السنة، وسردت لهم الحكايات والروايات، وضربت الأمثلة، واستعان كل خطيب بما لديه من معلومات عامة، هذا لجأ إلى الطب وعدد الأمراض التي تتسبب فيها، وذاك غاص في علم النفس وتحليلاته للأضرار التي تؤدي إليها، وثالث استخدم الواقع فسرد مشاهدات حدثت حوله.

وخرج كل واحد إلى بيته، وأصداء التحذير تتردد على مسامعه، وعقله منشغل في التفكر بهذا الخطر الجلل الذي تمثله تلك الآفة التي تذهب العقل وتدمر النفس وتحرق العمر وتقضي على الاستقرار وتهلك المال، وقد يكون من جرب الخمر هو أكثر المتأثرين، فمن لم يجربها حمد الله واستعاذ من الشيطان، أما من جربها وتوقف عنها فقد حمد الله وتذكر مصائبها وسواد لياليها.

ومن جربها ومازال يعاقرها كان دعاؤه بعد الصلاة بلا أدنى شك أن يخلصه الله منها، ولا نستبعد أن يكون قد ذرف الدموع وهو يستمع إلى الخطبة، ربما تذكراً لمعصيته، وربما حزناً على نفسه، وربما أسفاً على ما ضاع بأفعاله، وقد يكون هناك من عقد العزم على التخلص منها فأعلن توبة نصوحة قبل أن يغادر المسجد.

وبنفوس طيبة تجمع كل واحد من العائدين إلى بيوتهم حول الغداء، ومن ثم الاسترخاء، وكانت الأذهان لا تزال منشغلة بما تلقت، حتى جاءت الصدمة إلى من أوقعه حظه في مشاهدة قناة محلية غابت عيون رقبائها عن المكان والزمان والمضمون «فطارت الفكرة وجاءت السكرة» عبر برنامج يتحدث عن الاستعدادات لبطولة كأس العالم لكرة القدم.

والموضوع الذي رأت المحطة انه ملح وضروري فأوصلته إلى البيوت الآمنة المستقرة في ظهيرة يوم الجمعة، كان حول صناعة «البيرة» وكيف تفتقت أذهان مديري أحد المصانع عن اختراع بيرة أقل تأثيراً في شاربيها خلال المونديال، مع احتفاظها بكل ميزاتها الأخرى.

وهي الميزات التي عددت باعتبارها شيئاً ايجابياً، فما بين المدح لحسنات البيرة والشرح لمتعة شاربها دار الكلام، وفتح كل عائد من الصلاة فكيه وكأنه قرش مفترس، وخرجت عيناه من مقلتيها، وضرب كفا بكف ذلك الذي تعوذ من الشيطان، وعادت الابتسامة إلى وجه من كان الدمع يغسل ذنوبه قبل قليل، ورفع الثالث الذي كاد أن يفكر في ما قاله الخطيب من صوت التلفزيون.

ونادى على من معه ليسمعوا حتى يذهب عن عقولهم ما علق بها، وطارت الخطبة الموحدة وبقيت صور المصنع تتراقص أمام الجميع، وعاد الأول يتعوذ من جديد، وراودت الثاني فكرة كان يقاومها، ونسي الثالث أين كان وماذا سمع ولماذا كان يفكر في اتخاذ قرار.

وحار السؤال عن الذي يجوز والذي لا يجوز.

myousef@albayan.ae