أطلق السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق، مبادرة للحوار والمصالحة الوطنية تضمنت العديد من النقاط الايجابية مثل حل الميليشيات الطائفية، ووقف التعذيب واعادة النظر في هيئة اجتثاث البعث واخضاعها للقانون والقضاء، والافراج عن المعتقلين من الذين لم يحملوا السلاح، ولكنها من غير المتوقع ان تجد التجاوب المطلوب، او تحقق نتائج ملموسة على صعيد وقف التدهور الامني لأنها تجنبت الحوار مع فصائل المقاومة المسلحة، وانصار الرئيس العراقي صدام حسين الذين يشكلون العمود الفقري فيها.
السيد المالكي أغلق معظم أبواب المصالحة عندما جعل العفو مشروطا، واكد ان المصالحة لا تكون مع الارهابيين او الممنوعين سياسيا او الصداميين، وانما هناك وجهات نظر لم يتورط اصحابها بدماء، أو جريمة، هناك شرائح هنا أو هناك لا تزال ممتنعة عن المشاركة في العملية السياسية ونحن نريد ان نجتذبها إليها .
فالشرائح التي لم يتورط اصحابها بدماء أو جريمة التي يريد السيد المالكي اجتذابها الى العملية السياسية، وهي الجماعات السنية على وجه التحديد، موجودة اساسا في هذه العملية، وشاركت في الانتخابات الاخيرة، ولها وزراء في حكومة المالكي أي ان الحوار مع هؤلاء لا حاجة له لأنه قائم، والمصالحة غير ضرورية لانه لا يوجد خصام اساسا معها.
ونحن هنا نشير الى الحزب الاسلامي وكتلة التوافق، وبعض الشخصيات التي دخلت العملية السياسية منفردة أو تحت مظلات احزاب علمانية، المبادرة تبدو ايجابية في مضمونها ومدلولاتها لعدة أسباب نوجزها في النقاط التالية:
أولا: تشكل هذه المبادرة اعترافا صريحا بان العملية السياسية الحالية في العراق لم تحقق اي نجاح حتى الآن من حيث تمثيل جميع العراقيين، وتثبيت هوية العراق الوطنية، وتحقيق الامن والاستقرار في ربوع البلاد، فرغم وجود 150 ألف جندي اميركي وخمسة وعشرين ألفا من القوات المتعددة الجنسيات، وربع مليون جندي من رجالات الامن والحرس الوطني العراقيين، ما زالت الحكومة عاجزة عن اثبات اهليتها في حكم البلاد.
ثانيا: تعترف هذه المبادرة، وللمرة الاولى بوجود مقاومة عراقية، نجحت في افشال مشروع الاحتلال الاميركي، واظهار ضعف المؤسسات السياسية والعسكرية التي انشأها، مثلما اكدت ان المسألة ليست مسألة اقلية او اكثرية، عندما يتعلق الامر بشرعية الحكم، وانما مسألة معايير وطنية، فكل من هو مع الاحتلال غير وطني، والعكس صحيح.
ثالثا: تعترف هذه المبادرة ايضا بخطأ السياسات والاجراءات التي مارسها الاحتلال العراقي والقوى التي اتت معه، وخاصة سياسة اجتثاث البعث، وحل الجيش العراقي، والسماح بوجود الميليشيات الطائفية والحزبية، وغض النظر، بل تشجيعها على اختراق قوات الامن والحرس الوطني.
فالاقرار بإعادة النظر في قانون اجتثاث البعث، واعادة بناء القوات المسلحة علي اسس غير طائفية، وحل الميليشيات باعتبارها عنصر تهديد للأمن كلها تراجعات على درجة كبيرة من الاهمية تعكس المأزق الذي يعيشه الاحتلال واتباعه، والرغبة في اصلاح الخلل على امل الخروج من هذا المأزق بأقل قدر ممكن من الخسائر.
رابعا: الاقرار باستفحال الفساد، والاختراقات الفاضحة لحقوق الانسان، وتجاوز القانون والدستور من قبل مؤسسات الحكم، من خلال تأكيد المبادرة على معالجة ظاهرة التصفيات الجسدية، ومعاقبة المسؤولين عن جرائم التعذيب، والتباحث مع القوات المتعددة الجنسيات من اجل وضع آليات تمنع انتهاكات حقوق الانسان والمدنيين خلال المداهمات العسكرية.
وهذا الاقرار الواضح الصريح يؤكد ان العراق الجديد ليس واحة للحريات وحقوق الانسان، ولا يختلف كثيرا عن العراق القديم الذي جاء الاميركيون لتغييره، ان لم يكن اسوأ.
خامسا: العفو عن السجناء والمعتقلين الذين لم يحملوا السلاح ولم تتلوث اياديهم بالدماء الذي اعلن عنه السيد المالكي في مبادرته يشكل اكبر ادانة له ولقوات الاحتلال الاميركي، فاذا كان هؤلاء لم يرفعوا السلاح، ولم يتورطوا في اعمال ارهابية فلماذا تم اعتقالهم اذن وبالآلاف طوال هذه المدة؟
المبادرة في تقديرنا، ورغم تسليمنا بالنوايا الطيبة للسيد المالكي من خلال اطلاقها، قد تؤدي الى نتائج عكسية تماما، لأنها ستفسر من قبل فصائل المقاومة على انها دليل يأس، وعلامة ضعف، ووصول الاحتلال الاميركي والعملية السياسية المنبثقة عنه الى طريق مسدود، ولذلك من المستبعد ان تنخرط اي من جماعات المقاومة في اي حوار مصالحة على اساسها، لانها لا تعترف بالاحتلال وتقاومه، ولا تعترف بالحكومة التي اطلقت هذه المبادرة.
المقاومة العراقية تريد انسحابا اميركيا كاملا من مختلف الاراضي العراقية، وبضمانة من الامم المتحدة، وتعويضات عن كل جرائم الحرب المرتكبة في العراق، فالغزو لم يكن شرعيا، ولا قانونيا، وتم بناء على اكاذيب واضحة حول اسلحة الدمار الشامل. فلا يوجد اي نص في ميثاق الامم المتحدة يقر تغيير الانظمة وفرض الديمقراطية بالدبابات والقاذفات والغزو المسلح.
بإيجاز شديد نقول ان هذه المبادرة هي أول اعتراف رسمي بانتصار المقاومة العراقية، ونجاح مشروعها، وفشل مشروع الاحتلال والقوى المرتبطة به في المقابل.
وهي محاولة يائسة من قبل السفير الاميركي زلماي خليل زاد للوصول الى صيغة تنقذ ماء وجه ادارته، وتسهل لها عملية الانسحاب من العراق، وتقليص خسائرها المتوقعة في الانتخابات النصفية للكونغرس بعد اربعة اشهر.
انه تسليم حضاري بالهزيمة، ومحاولة لإنقاذ ما يمكن انقاذه، بعد ان بدأ تحالف الراغبين يتفكك، فها هي القوات اليابانية تنسحب، وكذلك الايطالية، ومن قبلها الاسبانية، بينما يتحول ربيع القوات البريطانية في البصرة الى كابوس فلا الخطة الامنية نجحت، ولا مقتل الزرقاوي غيّر من الواقع على الارض شيئا، بل زاده اشتعالا، ولا الانتخابات الاخيرة انجبت حكومة وحدة وطنية فعلا.
أخيرا، للتذكير نقول ان المقاومة تتفاوض مع الاحتلال، بعد توقيع صكوك الهزيمة والاستسلام، لاستلام السلطة وليس مع رجالاته، فشارل ديغول لم يتفاوض مع الجنرال بيتان رئيس حكومة فيشي، والجنرال جياب قائد القوات الفيتنامية المنتصرة لم يتفاوض مع حكومة سايغون.