أتمنى ليس فقط نجاح المرشح جاسم الخرافي في عضوية المجلس، وإنما أدعو إلى رئاسته التي لم تستوف مسؤولياتها، ولم تكمل المأمورية التي نتوقعها من هذه الرئاسة، وما زلت أشعر ويشاركني كثيرون بأن فصل التغيير في الرئاسة لم يحن بعد، وأن المزاج الحالي بحاجة إلى استمرار رئاسة الخرافي في المجلس من أجل مواصلة النهج الذي يتوقعه الجميع دون مفاجآت قد تدمر الهيكل السياسي الذي نريد الالتزام به.

نقول ذلك حباً في الكويت، وتعبيراً عن قناعة بأن نزعة الاعتدال والميل التوفيقي والحرص على تواصل العمل العاقل وهي صفات رافقت رئيس المجلس خلال السنوات الماضية ما زالت ضرورية لتوظيفها في تأمين استمرار العمل دون اضطراب.

وبسبب الظروف الحساسة الراهنة فليس من مصلحة الكويت فتح أبواب صراعات ستنفجر مع السعي للحصول على رئاسة المجلس، فالمصلحة العليا للوطن لا تحتمل انفجارات أخرى وتوترات بعد الإرهاق الذي عاشه المجتمع الكويتي بسبب الندوات الساخنة والمستفزة.

وفي الحقيقة فإن الواجب الوطني يفرض ميل الكفة لبقاء جاسم الخرافي في سدة الرئاسة لفترة مقبلة، نأمل أن تشهد التبريد الذي تحتاجه الكويت بعد الشدة الراهنة، ومع اننا ندعم بقاء السيد جاسم الخرافي، نود أن نبدي بعض الملاحظات:

أولاً: لم يوظف السيد جاسم الخرافي ـ رئيس مجلس الأمة ـ خلال السنوات الماضية سطوة الرئاسة ومكانتها المميزة وثقلها السياسي وسلطانها المعنوي في إبعاد التأزيم ونزع فتيل المواجهات، وأتذكر أن الرئيس الخرافي ذكر في إحدى ندواته أن الكويت خسرت رجالاً مصلحين بسبب رفضهم لتمرير معاملات يريدها النواب.

ويقول في ندوة أخرى نشرتها القبس في عددها الصادر يوم الأربعاء الماضي بأن الحكومة تسمح بالواسطات لتجعل النائب تحت رحمتها وتمسك عليه نقاط الضعف.

ويتذكر الرئيس الخرافي بأن التأزيم جاء من مسلسل الاستجوابات الذي لم يكن مبرراً إذا ما اعتمدنا المقاييس الموضوعية، وهنا يأتي دور الرئاسة في السعي لتهميش النزعة الاستجوابية وإزالتها وحصرها في القضايا الجوهرية ومنع تفاقهما، وفرض الضغط والإغراء والاستنجاد بثقل الرئاسة لكي لا يتحول المجلس إلى مماحكات بين نواب الخدمات والوزراء الذين يجدون أنفسهم في وضع مزرٍ أدى إلى انسحاب واستقالات كان يمكن علاجها.

وأعتقد أن الرئيس في التزامه بحرفية اللائحة الداخلية وولائه الموضوعي لها أدى إلى حياد سلطان الرئاسة وعزل منصبه عن سطوة الرئاسة ووجهها المعنوي، ونلاحظ بأن الرئيس يمارس الصبر الطويل والنفس الواسع في الاحتكام إلى ضوابط المجلس، إرضاء لضميره وتأدية لمسؤولياته دون لجوء إلى الثقل الوزني للرئاسة.

ثانياً: تفتقر رئاسة المجلس في الكويت إلى قاعدة نجدها في كل التجمعات والهيئات، حيث يتوفر للرئيس أصدقاء نسميهم في الأمم المتحدة «أصدقاء الرئيس» الذين يستشيرهم الرئيس في التوجهات العامة ويستمع إلى آرائهم حول الأداء العام.

عشت في الأمم المتحدة عشر سنوات كنت شخصياً من ضمن أصدقاء رئاسة الجمعية العامة في بعض الفترات وليس كلها، اعتماداً على اختيارات يراها رئيس الجمعية قريبة لفكره ويطمئن لها.

وكنا الجنود الذين ينتشرون للمساعدة في نزع الفتيل وإبعاد المواجهة، وأعتقد أن الرئاسة في مجلس الأمة تحتاج ليس فقط إلى جهد مكتب الرئاسة الذي يتشكل من رؤساء اللجان ومن المراقب، وإنما إلى مجموعة هادئة تحتكم إلى جماليات التعقل، وأشعر في كثير من الأحيان بأن الرئيس الخرافي يبحر بمفرده في مياه متأججة وعاصفة.

يسألني بعض الأصدقاء عن الحالة الأخيرة لحل المجلس ومدى إمكانية تلافي ذلك الحل من قبل الرئيس، وعن احتمالات الفرصة الضائعة لمنع الحل، ومدى ممارسة الرئيس لصلاحيته وتوظيف مكانته في الابتعاد عن ذلك القرار، رغم علاقاته الطيبة مع جميع الأطراف مع أهل الحكم ومع النواب، المهم الآن كيفية الاستفادة من التجارب منعاً لأزمات مقبلة؟

ثالثاً: لا نحتاج إلى ممارسة التبصر وقراءة المستقبل عبر قراءة الفنجان، فالأزمة مقبلة وعناوينها بارزة، حيث يقول السيد أحمد السعدون مرشح الخالدية ورئيس مجلس الأمة السابق، كما جاء في عدد جريدة القبس يوم الأربعاء الماضي:

«اليوم نحن نواجه الطواغيت ورموز الفساد في معركة وجهاً لوجه، وأقول للعقلاء من أبناء الأسرة الحاكمة لا تتركوا للزمرة من أبناء الأسرة تخريب العلاقات بينكم وبين الناس، وليعلم الجميع أن استجواب وزير الطاقة كان جاهزاً، ولدينا 12 اسماً مع الاستجواب ومحاوره، هاليبرتون، وكأس الخليج، وممارسات وإجراءات خاطئة في وزارة الطاقة».

وطالما نحن في الممر المؤدي إلى الأزمات، ربما من الحكمة أن يتحمل رئيس مجلس الأمة القادم، ونأمل بأن يكون السيد جاسم الخرافي، ويأخذ المبادرة في عقد جلسات ترطيب وتهدئة لإزالة بذور الفتنة التي ستحرق حتى الذين يتصورون بيدهم حصانة منها.

وهذا النهج من صلاحيات الرئيس الذي يتحمل مسؤولية سياسية وقانونية ومعنوية في الحفاظ على الأمن والاستقرار، وهو شريك معنوي وسياسي في إدارة بلد وليس خصماً والرئاسة ليست أسيرة اللوائح والضوابط وإنما هي تحمل هيبة المنصب ونفوذ المقام، وهي التي تحيد اللائحة ولا تترك المجال للائحة لتحيدها.

أستذكر مواقف المرحوم عبدالعزيز الصقر في حمايته لوقار المجلس ودوره في نزع الفتيل لأنه لم يخضع لجفاف اللائحة وإنما اعتبرها كقواعد لتنظيم المداولات وليست قيداً على دور الرئيس، نحن نريد الرئيس القادم فوق اللائحة يحيد الأزمات ولا يستسلم لها بحجة قيود اللوائح.

رابعاً: نشعر بأن الوقت مناسب لوضع لائحة سلوكيات في تنظيم حصانة العمل وتأمين وقار العضوية بحيث يتم استخراج قائمة الأمر وقائمة النهي في سلوك الأعضاء، من أجل وقاية سيادة القانون الذي ينحره الأعضاء كل يوم بتجولاتهم في الوزارات وضغوطهم على الوزراء وتصورهم بأنهم يملكون تفويضاً لاستخراج الخدمات والامتيازات.

ونريد ذلك لكي ينحصر عمل الأعضاء في التشريعات وليس في الخدمات، ولكي تبرز خطوط الانفصال بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية التي اختطف النواب حقوقها ولوثوا هيبتها، ويكون الإشراف على مسار هذه القائمة في السلوكيات من حق الرئيس وأعضاء مكتبه في محاسبة من يتجاوز خطوط الأمر والنهي، وهذه حالات موجودة في كل البرلمانات وهي معبرة عن أدب النيابة، وحقوقها وواجباتها.

بالأمس القريب ذهب مكتب التحقيق الفيدرالي الأميركي إلى مكتب عضو مجلس النواب في واشنطن وسحب الأوراق التي تدين العضو في أخذ الرشوة من أحد التجار من أجل تسهيل عملية تجارية، واعتبر هذا العضو موقع عار.

بينما نجد في الكويت قضايا ترفع المفلسين إلى خانة الأثرياء، ليس من السهل استخراج لائحة آداب السلوكيات للأعضاء بعد هذا الزمن الطويل الذي صارت فيه المحرمات واقعاً يومياً، ومع ذلك فالدعوة إلى التفكير في الجديات لها مبررات في ضوء واقع الكويت المؤلم، وأتمنى أن أستمع إلى ندوة عن رموز الفساد في مجلس الأمة بدلاً من حصر ذلك في الحكومة وموظفيها.

كلنا يعرف الكويت جيداً، ونعرف الإمكانات المتوفرة في حرية التعبير التي يكفلها الدستور، ونعرف بأن ذلك لم يقترن بحق التداول والتدوير، وطالما أن الواقع لا يسمح بحزبية التغيير ولا يبيح الدستور ممارسة التداول، تبقى مسؤوليات الرئاسة في الاحتفاظ بالممكن الذي أتاحه الدستور من أجل صون الأمن والاستقرار، بدلاً من القفز المتسرع في مطالب لم يحن وقتها ويسبب طرحها القلق والاضطراب.

دستور الكويت سهل في حرية التعبير وضيق في إمكانية التغيير وعلى رئيس مجلس الأمة القادم مراعاة هذه الحقيقة بدلاً من أن تتوالى علينا مراسيم حل المجلس في المستقبل.

كاتب كويتي

Abdullah_bishara@yahoo.com