في بداية هذا العام نشرت «الأزمنة العربية» مقالا طرح فيه كاتبه علي العوضي أسئلة كثيرة حول انخفاض تأثير الحركة الوطنية في المجتمع الكويتي وانحسار شعبيتها في السنوات الأخيرة والتشرذم التنظيمي خصوصا بعد الخسارة الواضحة للتيار الوطني الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية الكويتية لعام 2003.

وعندما تزور الكويت الآن وترى النشاط الحيوي الإبداعي في أوساط الشباب والنساء وممثلي الأحزاب الوطنية دعما للمرشحين للانتخابات القادمة الملتزمين بالقضايا العامة للشعب الكويتي في وجه ما يقابلهم من استعار نشاط مال الفساد السياسي تجد أن مياها كثيرة قد تغيرت وأن الوضع لم يعد كما كان.

بالنسبة للمراقب البعيد سواء من الداخل أو الخارج ربما بدت هذه الطفرة في الوعي الاجتماعي- السياسي وأشكال النضال وأساليب إدارة الصراع وكأنها جاءت بدون تهيئة داخلية، وربما بدفعة من الخارج.

تشرب قطاعا الشباب والمرأة وسائر الفئات الشعبية الأخرى بالشعارات السياسية التي طرحتها القوى الديمقراطية والوطنية الأخرى من خارج وداخل البرلمان. لكن هذه القوى كانت تعاني من عجز تنظيمي لم يمكنها من تأطير تلك القطاعات ووضعها في المصب العام لتحقيق الأهداف الوطنية الديمقراطية.

وقد وجدت في فضاء العالم التصوري لشبكة المعلومات العالمية وعاءها الابتدائي لإرسال إشارات للقوى الوطنية وللحكم على السواء بأنها تبحث لنفسها عن مكان في العالم الواقعي للحياة السياسية والاجتماعية الجارية على أرض الكويت.

المنبر الديمقراطي الذي تشكل من قوى وشخصيات يسارية وقومية وليبرالية عام 1991 بعد تحرر الكويت من الغزو والتجمع الوطني الديمقراطي الذي تشكل بعده التقطا هذه الإشارات باكرا فأعادا تنظيم الصفوف شيئا ليشكلا التحالف الوطني الديمقراطي الذي يتيح ازدواجية العضوية فيه إلى جانب العضوية في المنبر أو التجمع أو بدونهما.

وكان من بين أهم أهداف هذا التحالف إعطاء دور أكبر للشباب الوطني الكويتي. وبالفعل تحول هذا التحالف فيما بعد إلى إطار تنظيمي لبعض من قطاعات الشباب والمرأة أو وعاء عاما وداعما لوجستيا لتحركات البعض الآخر.

مقر التحالف أصبح بمثابة غرفة عمليات لانطلاق مختلف أنشطة الحركة البرتقالية. ومن خلال غرفتي استوديو في مقر التحالف يخاطب البرتقاليون الكويتيون والعالم عبر القناة الفضائية الخاصة «نبيها تحالف» التي منعت إلى جانب قنوات فلاش، قبة البرلمان والمشكاة من البث عن طريق عربسات فعادت «نبيها تحالف» ثانية عبر «هوت بيرد».

قبل ذلك، كما لاحظ العوضي، بدأت بعض القيادات الشبابية تعلن عن نفسها بأنها هي صاحبة المشروع الوطني الديمقراطي في الكويت. وفي الوقت نفسه حرص عدد من الزعامات التاريخية على مراقبة الوضع والتفاعل معه مما ساعد في نقل الخبرة وتحويل الأفكار إلى قوة مادية تدب على أرض الحياة السياسية متجسدة في جماهير الشبيبة والطلبة والنساء وغيرها.

لقد نشطت الحركة البرتقالية الجديدة بشكل مستقل تماما لكنها مرتبطة بالقضايا السياسية الأساسية لعموم الحركة الوطنية الكويتية. ولا يخفي القادة السياسيون والمرشحون للانتخابات بأن هذه الحركة ساعدتهم في تثبيت أقدامهم على الالتزام بتلك القضايا حين دعتهم لأداء القسم أمام حشود الجماهير بالتزامهم بالمطالب العامة.

وفي مواجهة ممارسات مال الفساد السياسي بإجبار المواطنين على القسم على المصحف الشريف بالتصويت لمرشحي الفساد مقابل الرشوة، يدعو شباب الحركة البرتقالية مرشحي الدوائر الانتخابية واحدة تلو الأخرى لأداء القسم على المصحف أمام ناخبيهم بالابتعاد عن شراء أصوات الناخبين وإسكات ضمائرهم بالمال.

ومع ملاحظة أن الطرف الأساسي الداعم للحركة البرتقالية وهو التحالف الوطني الديمقراطي (بما في ذلك كل من مكونيه الأساسيين المنبر والتجمع ) يفتقد إلى هوية فكرية واضحة وقائم على أيديولوجية «تعويم الأيديولوجيا» فإن الذي يجمع مكوناته هو بالضبط ما يجمعه مع كل أشكال التحالفات الأخرى سواء التحالف الوطني الشيعي الذي يضم تجمعات «العدالة والسلام» و«الميثاق الوطني» و«الرسالة الإنسانية» و«علماء الشيعة» و«حركة التوافق الوطني الإسلامية».

أو التحالف السني المتمثل في الحركة الدستورية التي تشكل واجهة الإخوان المسلمين متحالفة مع التجمع الإسلامي السلفي. وجميع هذه القوى تخوض المعركة الانتخابية تحت الشعارات الموحدة.

أما حزب الأمة السلفي فهو الوحيد الذي اتخذ موقفا بعدم المشاركة في الانتخابات القادمة كموقف سياسي فقط. لكنه يعمل بجد من أجل تطوير العملية السياسية في البلاد. فعضو قيادة الحزب ساجد العبدلي هو رئيس اللجنة الوطنية لمتابعة نزاهة الانتخابات.

والحقيقة أن هذا الحزب يختلف جوهريا عن سائر القوى السلفية في منطقة الخليج والبلدان العربية الأخرى من حيث تفسيره للدين ورؤاه السياسية والاجتماعية وموقفه من المرأة ومن طاعة الولي وحق الشعب في اختيار حكومته وتقرير مصير وضمان السيادة والاستقلال الوطني.

ومع الدور العظيم الأهمية الذي تلعبه الحركة البرتقالية في العملية السياسية الجارية في الكويت اليوم، إلا أن تركيزها على الناحية السياسية في الموقف من السلطة والحفاظ على دستور 1962 دون تأطيرها تنظيميا واكتسابها انحيازا اجتماعيا واضحا لمصلحة الجماهير ودون توجهها ببرامج نحو المستقبل قد يجعلها قابلة لأن تخبو بنفس سرعة هبتها.

برامج النظرة البعيدة نحو المستقبل يطرحها أمامنا وأمام الشباب قادة وطنيون ديمقراطيون كويتيون كالدكتور أحمد الخطيب الذي نصح في لقائه مع وفدي المنبر الديمقراطي التقدمي وجمعية العمل الوطني الديمقراطي البحرينيين اللذين زارا الكويت للاطلاع على الجانب السياسي من تجربة أشقائهم الكويتيين في الحملات الانتخابية بالتركيز منذ الآن على محاربة الفساد وصون المال العام وبحث طرائق توظيفه لضمان المستقبل وقضايا التحولات الاجتماعية السياسية وإعطاء ذلك الأهمية اللازمة أمام ما يشغلنا من ظواهر أخرى مقلقة حقا، لكن الزمن يمكن أن يحولها لغير صالح الحكم.

وضرب مثلا بالتجنيس السياسي : اذهبوا الآن إلى مناطق المجنسين من مختلف القبائل واستمعوا إلى مواقفهم من الحكم لغياب العدالة الاجتماعية، والداعمة لشعاراتنا السياسية. الانتخابات القبلية الداخلية ممنوعة قانونا وتنادي القوى الوطنية بوقفها، لكن السلطات تغض الطرف عنها.

ومع ذلك فاز مرشحو الحركة الوطنية الستة جميعهم، بينما من بين ستة مرشحين تدعمهم السلطة ومال الفساد السياسي فاز نصفهم فقط. برنامج المستقبل الاقتصادي للبلاد ينطق به القائد التاريخي وأمين عام المنبر الديمقراطي عبد الله النيباري.

إنه ينظر إلى هذه الانتخابات على أنها رسم مستقبل الكويت لأربعين سنة قادمة. وهو يرى أن برنامج قوى الفساد يتمثل في الواقع الاقتصادي الحالي.

حيث يشكل معدل النمو السنوي في هذا البلد الغني بالنفط 5 ,1% فقط، بينما النفط مهدد بالنفاد خلال بضعة عقود قادمة. وهو يرى أنه يجب إيقاف هذا البرنامج وتفعيل البرنامج البديل الذي يطرحه بإصلاحات شاملة تطال الاقتصاد وقضايا التعليم والسكن والأجور والضمان الاجتماعي ومسائل الحريات السياسية.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com