تتعرض الأدمغة العلمية العراقية لعملية تصفية مدروسة. حملة الدكتوراه والخبراء في البحوث، خاصة الفيزيائية والكيمائية؛ وكبار الأكاديميين يتناقص عددهم بصورة دراماتيكية. منهم من يختفي عن وجه الأرض بالمرة. ومنهم من يختفي عن أرض العراق، هرباً إلى بلاد الله الواسعة.

ثروة وطنية لا تضاهى يجري تجفيفها، اغتيالا أو تهجيراً. طاقة واعدة لا تقدر بثمن، مستهدفة ومستباح دمها؛ لحرمان البلد منها ورده كما قيل قبل الحرب،إلى «ما قبل الزمن الصناعي». ويجري ذلك بهدوء، خلف غبار القتل العشوائي والانتقامي اليومي والمريع، في العراق. ففيما يحتكر هذا الأخير الأضواء؛ تبقى مطاردة العلماء في الظل.

سيرة الموت بالجملة، مع فظاعاته المفجعة تطغى على سيرة النزيف الذي يصيب الوسط العلمي العراقي والذي يجري عن طريق الاصطياد الانتقائي لعناصره؛ حسب التقارير والمعلومات الصادرة عن هذا الوسط، الأمر الذي يشير إلى أن هناك عملية منتظمة جارية وفق أجندة؛ هدفها تفريغ العراق من هذا الرأسمال البشري الكبير الذي لا يستقيم الحديث عن إعادة بناء بلد قادر على النهوض والاستمرار، من دونه.

آخر الأرقام في هذا الصدد أن حوالي 250 عالماً عراقيا قد تم اغتيالهم وان حوالي ثلاثة آلاف منهم قد غادروا، خوفاً وهرباً، إلى الخارج. والحبل على الجرار؛ في ضوء الهلع السائد في صفوفهم.

صحيح أن الجميع في العراق عرضة للاغتيال والموت المفاجئ، الذي يحصد العشرات يومياً، لكن المؤكد وفق المعلومات المتناقلة والتي تحظى بشبه إجماع داخلي، أن الوسط العلمي مطارد دموياً.

وما يعزز هذا الاعتقاد أن ضحاياه قتلوا في ظروف غامضة، من دون أن يكونوا من حملة السلاح أو من المتورطين في عمليات عنف ولا من المتواجدين ـ في غالبية الحالات ـ في ساحات التفجيرات الجماعية التي تحصد الناس من دون تفريق.

ومن هذه المعلومات، التي تدعم بقوة نظرية الاستهداف هذه ان الاغتيال في هذه الحالات يجري بنوع من الرصاص الذي «يكفي أن يخدش الضحية ليتسبب بموتها المحتوم»!

ويقول الخبراء إن مثل هذا النوع من الذخيرة لا يتوفر إلا لجهات قادرة على الحصول عليه ومتمرسة في استخدامه! الخلفيات والسوابق، فضلاً عن انكشاف الساحة العراقية؛ كلها تقول إن الموساد الإسرائيلي غير مستبعد؛ مع غيره أو بالإضافة إلى غيره.

لكن بعيداً عن التكهنات في هذا المجال، يبقى الثابت أن العراق يتعرض لنزيف نوعي في رصيد يملكه، تنفق الشعوب قدراً هائلاً في إمكاناتها لامتلاكه وتراكم خبرات أجيال لترسيخه.

والثابت الآخر أن هذا النزف يتعذر وقفه والحد من خسائره؛ إلا من خلال وقف التدهور الشامل في الوضع العراقي. والمفتاح لمثل هذه المهمة التاريخية يكمن في العودة إلى صحن الوطن الواحد الموحد.

يدرك العراقيون من التجربة المريرة كم كانت مرتفعة كلفة التذرّر. وإدراكهم هذا تعكسه عودتهم إلى تحت مظلة المشاركة في إعادة بناء مؤسسات الدولة والعمل تحت خيمتها. لكن لا تزال أمامهم محطة واحدة لا مفرّ من بلوغها لاستكمال المسيرة: تحقيق المصالحة الوطنية؛ التي طرح عليهم مشروعها، أمس. طبعاً من حق الجميع مناقشتها لكن على الجميع واجبا في المقابل: الإسراع في إنجازها قبل أن يأكل النزيف العام وليس فقط نزيف الأدمغة، الأخضر واليابس.