كان المحالون إلى التقاعد بوزارة العمل يعيشون في وضع لا يحسدون عليه منذ عدة أشهر، وأظن أنهم قد تنفسوا الصعداء بعد حكم المحكمة الابتدائية لأربعة منهم بالعودة إلى وظائفهم.
لقد تناقشت مع بعضهم بعد قرار الإحالة إلى التقاعد، وكانوا هم المبادرون بالاتصال، ليتظلموا، ويعلنوا استياءهم من الربط ما بين تصريحات الوزير المتكررة حول الإهمال وعدم الإخلاص والفساد من قبل بعض الموظفين والمسؤولين وبين قرارات إنهاء الخدمة المسمى تجاوزاً بالتقاعد، موضحين بأنهم ضحايا اتهامات عشوائية ستلتصق بهم إلى الأبد.
فقد كان الهدف من تزامن القرارات مع التصريحات إلصاق التهم بهم، بما جعل المجتمع ينظر إليهم بريبة وكأنه يصدر حكما بإدانتهم رغم عدم ارتكابهم لأي جرم.
يومها قلت لمن تحدث معي ان لا سبيل أمامهم غير اللجوء للقضاء، ثقة في قضائنا المستقل، وأيضا لأنهم واثقون بأنهم لم يرتكبوا أية مخالفات، وقلت لهم بان مطالبتهم بتحديد أسباب الإحالة إلى التقاعد ستظهر الحق، فان كان هناك اتهامات لابد ان يتم إثباتها بالأدلة والقرائن، وان لم تكن برئت ساحتهم أمام الجميع.
وقد سعدت بالحكم الصادر قبل أيام لصالح الأربعة الذين تحلوا بالشجاعة ولم تردعهم تحذيرات المقربين منهم بخطورة مقاضاة الحكومة، سعدت لأنهم اختاروا الطريق الصحيح وحصلوا على مبتغاهم بحده الأقصى، فنحن بحاجة لتثبيت قواعد جديدة لنظامنا الإداري من قمته إلى قاعدته.
وبحاجة أيضا إلى تثبيت مبادئ الحق والعدل وإتاحة الفرصة لكل فرد بأن يرفض أي قرارات يرى أنها مجحفة ومخالفة للقانون او يشوبها نوع من القصور، وما دمنا لا نزال نفكر في إنشاء جهاز للرقابة الإدارية والذي يفترض ان تتبعه نيابة إدارية ومحكمة إدارية، ما الذي يمنع من ان يكون القضاء مصدرا للقواعد القانونية المثبتة للحقوق والمفسرة للإجراءات والمكملة للنواقص.
ونحن على ثقة بأن حكومتنا لا تقبل بأن تكون خصما لمواطن صاحب حق، فهذه المسألة لا تدخل ضمن مفهوم من هو الاقوى ومن الاضعف، ولو كان كذلك، واقصد لو ان مثل هذا المبدأ موجود لدى حكومتنا، أقول لكم، لكنا مثل غيرنا، نختصر الطريق، ونقفل الابواب في وجه الجميع، ولا تقبل الدعوى من اساسها امام القضاء توفيرا لوقت القضاة والمحامين واصحاب المطالب.
وهذا لم يحدث عندنا، ولن يحدث باذن الله نتيجة لرؤية مؤسسة على قواعد راسخة من قبل قيادتنا، ومثل هذا الحكم الذي صدر لصالح موظفين احيلوا للتقاعد يحسب لحكومتنا ولا يحسب عليها، وستكتمل الصورة لو قبلت الحكومة بحكم المحكمة الابتدائية ولم تستأنف.
انها صورة من صور التحضر تقدمها الحكومة التي قبلت بأن يقاضيها المواطن العادي، ويقدمها المواطن الذي يرى ان له حقا سلبته الحكومة فخاصمها بالقانون، ويقدمها القضاء الذي نحترم ونقدر دوره ونزاهته.