كانت عملية صياغة سياسة أميركا الخارجية ولا تزال ساحة مفتوحة للصراع بين تيارين فكريين رئيسيين: أحدهما يدعو إلى الواقعية، والثاني يدعو إلى المثالية.

وينطلق أصحاب الرأي الأول من قناعة تقول بان على السياسة الخارجية أن تعمل على حماية وتعزيز مصالح أميركا الوطنية بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى، وان الدولة تعيش في غابة تتصارع فيها الدول .

حيث تحاول كل منها مد نفوذها على حساب الدول الأخرى، مما يفرض على كل دولة أن تحشد ما استطاعت من أسباب القوة للدفاع عن وجودها وتعزيز مواقعها.

كما يقول دعاة الواقعية في العلاقات الدولية أيضا أن على الدولة عدم التدخل في شؤون الغير من الدول إلا عندما يكون التدخل ضروريا لحماية المصالح الوطنية.

وهذا يعني أن على أميركا أن لا تعير المثاليات قدرا كبيرا من الأهمية لان ذلك سيؤدي إلى تورطها في قضايا تثقل كاهلها ولا تعود عليها بالفائدة، وأن تركز بدلا من ذلك على حماية مصالحها وزيادة نفوذها وتعزيز قدراتها القتالية، وتعزيز علاقاتها مع الأطراف القادرة على خدمة مصالحها.

أما دعاة المثالية في العلاقات الدولية فيقولون إن على صناع السياسة الخارجية أن يأخذوا في الاعتبار المتغيرات الدولية وآثارها على مصالح الدولة ومكانتها العالمية.

وأن يعملوا على خلق الظروف الملائمة لتحقيق المصالح الوطنية على المدى البعيد. وهذا يعني من وجهة نظر هؤلاء أن على أميركا أن تعمل على تغيير الواقع الدولي في الوقت الحاضر ليكون أكثر ملائمة لتحقيق الأهداف الأميركية في المدى الطويل.

وأن عدم الاهتمام بتغيير الظروف الراهنة ومواقف الدول المنافسة سيجعل إمكانيات حماية المصالح الوطنية وتعزيز المواقع الأميركية على الساحة الدولية أكثر صعوبة في المستقبل. ومن هذا المنطلق جاء الغزو الأميركي للعراق والدعوة لنشر الديمقراطية في المنطقة العربية.

إن أتباع كلا المدرستين الواقعية والمثالية يتواجدون داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السواء، حيث يعملون من خلال مواقعهم الأكاديمية والبحثية والرسمية على التأثير في تشكيل عناصر السياسة الخارجية وتوجيهها الوجهة التي تتفق مع آرائهم وتعكس قناعاتهم.

ولذا وقف الواقعيون في كلا الحزبين ضد شن الحرب على العراق، لان ممارسات النظام العراقي- كما قالوا - لم تشكل خطرا يهدد المصالح الوطنية الأميركية في حينه، مما جعل الحرب مغامرة مكلفة وغير ضرورية ولا تخدم المصالح الأميركية. أما طبيعة نظام الحكم في العراق وممارساته فيعتبرونها قضية عراقية لا تعنيهم طالما بقي العراق بعيدا عن تهديد الأمن القومي لأميركا.

وانسجاما مع هذه القناعة وقف هؤلاء أيضا ضد مشروع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط لان الديمقراطية من وجهة نظرهم لا تخدم المصالح الأميركية، وأنها تساهم في إيصال القوى الدينية المتطرفة إلى الحكم، وذلك كما حدث في فلسطين وكاد أن يحدث في مصر الجزائر.

في المقابل، يقول المثاليون إن الديمقراطية قضية حيوية بالنسبة للعرب والغرب على حد سواء، حتى لو مهدت لوصول التيار الديني إلى الحكم لأنه سيكون على ذلك التيار أن يتعايش مع العصر وان يتعامل مع القضايا السياسية التي ستفرض عليه بدورها التوجه نحو الاعتدال. كما يقولون أيضا أن النظم الديمقراطية لا تحارب بعضها بعضا.

مما يعني أن انتشار الديمقراطية في البلاد العربية والإسلامية سيساهم في تخفيف حدة الإرهاب في المدى القصير، وسيبعد شبح الحرب عن العالم في المدى الطويل.