شرعيتان وولاءان بعد الاتفاق الأخير في الخرطوم يحددان الآن صورة الواقع الصومالي بأضلاعه الأربعة.
الشرعية الأولى هي «لشرعية الإقليمية» المعترف بها دوليا للحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله يوسف والتي نشأت كنتاج لمؤتمر المصالحة الوطنية الرابع عشر في العاصمة الكينية نيروبي برعاية إفريقية ودعم عربي.
والشرعية الثانية هي «الشرعية الشعبية» المؤيدة بقوة لاتحاد المحاكم الإسلامية بزعامة الشيخ «شريف الشيخ أحمد» والتي نشأت في مواجهة الفوضى والتقسيم نتيجة لتحالف أمراء الحرب مع الحكومة الانتقالية، وعجز هذا التحالف عن فرض سلطة القانون ووقف الاقتتال الأهلي.
ونتيجة لحتمية المواجهة بين القوات الشعبية للمحاكم الإسلامية وميليشيات أمراء الحرب المدعومين أميركيا تحت لافتة «مكافحة الإرهاب»، ونتيجة لهزيمة تلك الميليشيات وإقدام الرئيس الصومالي على إخراج هؤلاء من المناصب الوزارية التي كانوا يحتلونها تخلص الواقع الصومالي من أحد أهم عناصر تعطيل إنفاذ الشرعية الحقيقية شرعية الأمن والسلام والوحدة.
وبينما توقع المراقبون لسير المعارك بين علماء الدين المنتصرين وأمراء الحرب المهزومين بعد طردهم من العاصمة الرسمية «مقديشيو» إلى عاصمتهم الحربية في «جوهر» ثم طردهم منها إلى المجهول، أن تواصل القوات الشعبية زحفها للسيطرة على العاصمة الانتقالية في «بيداوا» مقر الشرعية الإقليمية..
لكن اتحاد المحاكم الشرعية كان من الحكمة ووضوح الهدف بما يكفي لكي يدرك أن معركته ليست مع شرعية رسمية تسعى مثله إلى وقف الاقتتال وبسط الأمن واستعادة وحدة البلاد، وبما دعاه إلى الإعلان عن عدم سعيه للسيطرة على السلطة الانتقالية داعيا إلى الحوار معها لتحقيق المصالحة.
لكن سرعان ما تلبدت السماء بالغيوم بين الطرفين حينما توهمت حكومة بيداوا أن قوات المحاكم الشرعية ستواصل هجومها نحوها، فتسرعت بالدعوة لتدخل قوات دولية لحفظ الأمن متناسية أن تدخل مثل هذه القوات لن يحفظ الأمن وإنما سيشعل الاقتتال من جديد في ظل الرفض الشعبي لمثل هذا التدخل الأجنبي.
وزاد الأمر سوءًا تورط البرلمان الصومالي الانتقالي في «بيداوا» بتأييد دعوة الحكومة وتوارد أنباء عن تسلل قوات إثيوبية وقلق أميركي، واجتماع فوري لسبع دول غربية ( لا إفريقية ولا عربية )باسم «لجنة الاتصال الخاصة بالصومال» العربي الإفريقي تلوح بالتدخل في مواجهة الشرعية الشعبية لاتحاد المحاكم الإسلامية !
لكن المبادرة الإيجابية السريعة من جانب الجامعة العربية وعدد من القيادات العربية ممثلة في الرئيس اليمنى علي عبد الله صالح، والرئيس السوداني رئيس القمة العربية عمر حسن البشير نجحت في احتواء المواقف وانتصرت صيغة الحوار على مخاطر المواجهة.
وفى الخرطوم كان لا بديل عن التوافق بين الشرعيتين الواعيتين على قاعدة الاعتراف المتبادل بلا إقصاء ولا استئثار والسعي المشترك لاستعادة الأمن وتحقيق المصالحة واستعادة وحدة البلاد تحت سلطة شرعية بمباركة شعبية لا أميركية ولا أجنبية.
وكانت خطوة في الاتجاه الصحيح والسير في مواصلة الحوار حتى عودة السلام والوحدة للصومال الكبير بكل أبنائه ولكل أبنائه بالوسائل السلمية دولة ديمقراطية موحدة مثلما كانت صبيحة يوم الاستقلال في يوليو عام 60 .
غير أن توافق الشرعيتين الحاليتين في الطريق بالحوار للوصول إلى الشرعية الواحدة يقابله في الجانب الآخر من الصورة إزدواج الولاءات الشعبية مابين الولاء الإسلامى والولاء القبلى، في بلد كل سكانه مسلمون، وفى بلد تمثل القبيلة فيه مركزالولاء الرئيسى ..
غير أن هذين الضلعين لإطار الصورة يمكن بالحوار الوطنى الديمقراطى توحيد الولاءات تحت راية الدين الواحد الذي كان الموحد الوحيد للقبائل العربية المتناحرة في ظلم وظلام الجاهلية إلى عدل ونور، والذي لم يوحد قبائل الجزيرة العربية وحدها وإنما قبائل كل المسلمين في العالم.
ومثلما نجح اتحاد المحاكم الإسلامية في توحيد صفوف قبائل مقديشيو، بعد أن كانت أربع إمارات متنازعة على النفوذ تحت حكم أمراء الحرب الأربعة، فإن فرص نجاح التوافق بين «الشرعية » و«الانتقالية » وبين «القبلية» و«الدينية» في الواقع الصومالي من شأنه عودة الأمل في إنهاء التقسيم القائم الآن بين الدويلات الثلاث في «بونت لاند » و«وصماليا لاند» و«الصومال» الذى يشهد هذه التطورات .
لكن الخطوة العربية الإيجابية للجامعة العربية تحتاج خطوة صحيحة موازية من هيئة «الإيجاد الأفريقية» تساعد الصومال وأهله على استعادة السلام والوحدة ليلعب دوره الجديد في القرن الافريقي عمقا عربيا في الاتحاد الافريقى وامتدادا أفريقيا في الجامعة العربية ..
ذلك كله يظل أملا قابلا للتحقيق طالما لم تسمح قواه السياسية أو القبلية للأجندات الغربية والأميركية، والتجاذبات الإقليمية خاصة الإثيوبية أن تلعب في الساحة الصومالية بما يباعد بين واقع يجد الصوماليون أنفسهم فيه، وبين أمل يتطلعون إليه.
mamdoh77t@hotmail.com