العلم كأحد ظواهر النشاط الإنساني لا يمكن له ان ينشأ ويتطور ما لم تتوافر له الشروط الاقتصادية ، فالبيئة الاقتصادية التي توفر القاعدة المادية الضرورية للإنتاج تعتبر شرطا لاغنى عنه لانطلاق عملية الابتكار والإبداع ، فحجم ثروة المجتمع وتعدد مصادرها هي التي تقرر حجم الطموحات لديافراد ه وتشجع التطلعات إلى مستويات أرقى من العيش والى أنماط مختلفة من الاستهلاك ،.
مما يدفع إلى البحث عن الكيفيات المختلفة لإشباعها عن طريق الابتكار والإبداع وبالتالي فإن الفكر العلمى لايجد نفسه معطلا في بيئة غنية ومجتمع قادر ديموغرافيا على الاستهلاك والإنتاج.
اذا ما حاولنا ان نبحث عن هذه الشروط في الاقتصاد العربي فلا نجدها متوافرة فيه لعدة اسباب منها :
أولا: الاقتصاد العربي مجزأ ومفتت كنتيجة منطقية للتفتيت وللتجزئة الديموغرافية مما أدى إلى انعدام التوزيع العادل لعناصر إنتاجه ، حيث توجد مجتمعات صغيرة تملك ثروات كبيرة مقارنة بحجمها الديموغرافي ومجتمعات اخرى اكبر منها تعيش على اقتصادات فقيرة لا تفي بحاجاتها الضرورية .
ثانيا: تعتمد الاقتصادات العربية ولاسيما الغنية منها على مصدر واحد للثروة كالنفط الذي يصعب التحكم في أسعاره وكمياته إلى جانب سوء توظيفه لأسباب سياسية إلى جانب ان هذه الاقتصادات متنافسة وليست متكاملة بسبب السياسات الاقتصادية بين الدول وتعدد خطط التنمية ان وجدت.
وبالتالي فإن الاقتصاد العربي لا يوفر القاعدة المادية اللازمة لتطور علمي حقيقي يعتمد على الاستقرار والابتكار المتواصل لإشباع حاجات مجتمع غنى قادر على الإنتاج والاستهلاك .
ثالثا - معظم المحاولات التصنيعية التي قامت في الأقطار العربية وجدت نفسها تدور في هذه الحلقة المفرغة المتمثلة في عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ، فما يتم انتاجه من مواد يزيد عن حاجة المجتمع الصغير .
كذلك فإن معظم السلع المنتجة محليا لا يمكن إدخالها في المنافسة مع شبيهتها في السوق الدولية نظرا لارتفاع تكلفتها وتواضع جودتها ولهذا فإن البنيتين الاجتماعية والاقتصادية العربيتين لا يوفران أفضل الشروط لنمو الفكر العلمي وتطور إبداعاته ، فتفتيت القدرة الإنتاجية والاستهلاكية المتمثلة في تجزئة المجتمع و تقزيم الاقتصاد وغياب الرشد كل ذلك لا يخلق الظروف الدافعة إلى الابتكار .
اما المناخ السياسي العربي بوجه عام ليس في مصلحة العلم والإبداع فتفاعلات البيئتين الاجتماعية والاقتصادية تتأثر وتتكيف بواسطة المناخ السياسي الذي ينتج عن النظام السياسي وعقيدته وخياراته وعن طبيعة التفاعلات بين القوى السياسية في المجتمع ، فحرية التفكير شرط مبدئي للإبداع والتجديد وليست هناك حاجة للتدليل على غياب هذا الشرط في المناخ السياسي العربي .
ولكن ينبغي القول ان النظام الاستبدادي ليس بالضرورة معاديا للعلم بل هو في حاجة اليه لتعظيم سيطرته وتأمين استمراريته، وبالتالي فإن تشجيع العلم ماديا ومعنويا يكون على الأغلب من اجل توظيفه في خدمة القابض على السلطة الذي يحتكر وحده تحديد معنى المصلحة العامة والضرر العام والخير و الشر والصديق والعدو .
ومن هنا فإن القرارات المتعلقة بالخيارات التي ينبغي توجيه المجهود العلمي لتحقيقها تكون محتكرة من قبل الحاكم الذي يتم بناء على ادراكاته الشخصية تحديد مصلحة الوطن والنفع العام اللذين لا ينبغي لهما ان تتعارضا مع مصلحته في القبض على السلطة واستمرارية الاستحواذ عليها .
ولهذا فإن توجيه العلم لايتم احتكاره من قبل الدولة باعتبارها خادمة المجتمع بل باعتبارها أيضا خادمة صاحب السلطة ، وليس ادل على ذلك من ان الأولوية في عمليات التحديث للمؤسسات العربية تعطى لاجهزة الضبط والمراقبة الامنية المتعلقة بالنظام ولتطوير أدوات العنف.
وليس من النادر أيضا ان تجد مطارات ومنافذ عربية محرومة من ابسط الخدمات ووسائل الراحة بما في ذلك المياه الصالحة للشرب بينما نجد الأجهزة الأمنية المتعلقة بالضبط والمراقبة تستخدم ارقي ما وصلت إليها التكنولوجيا من وسائل في هذا المجال .
ان المشكلة التي تواجه الفكر العلمي في المناخ السياسي العربي لا تتمثل فقط في أحادية الخيارات والقرارات السياسية بل تتعقد المشكلة اكثر حينما تكون القرارات صدى لمشيئة قوى خارجية لا يقوى صانع القرار العربي على مخالفتها.
وبالتالي يأتي الكثير من هذه الخيارات كاستجابة لمصالح تلك القوى ، فتوطين أنواع معينة من الصناعات وسياسات التدريب والبعثات ، كل ذلك يصبح موضوعا لصفقات سياسية يؤخذ فيها في غالب الأحوال مصلحة النظام قبل مصلحة الوطن .
لقد قامت محاولات عربية لتبنى توطين العلم في حدود معينة وذلك لامتلاك التكنولوجيا في ظل معطيات داخلية صعبة كما ذكرنا وظروف خارجية بالغة التعقيد.
حيث جرت هذه المحاولات في اطار تبني أطروحات الخطاب الانبعاثي العربي لإعادة القوة والهيبة الى امة مهزومة ولاعادة تشكيل الواقع العربي المتخلف والمفتت بالوسيلة نفسها التي تم بواسطتها تقطيع أوصاله وفرض الهيمنة الغربية عليه واستتباعه ، ولكن كما سنرى فان هذه المحاولات قد حققت قليلا من النجاح وجرت كثيرا من الكوارث .
كاتب ليبي جامعة بنغازي