كثفت إسرائيل في الأيام الأخيرة عملية سد المعابر الحدودية والسياسية والمعيشية مع الفلسطينيين، وافتعلت من أجلها الأعذار لتضييق الحصار عليهم، بالأحرى لرفع درجته من الحصار المؤذي إلى الحصار الخانق، أغلقت معبر رفح بذرائع أمنية،.
وهو البوابة الوحيدة للأراضي الفلسطينية في العالم، كما أغلقت البوابة السياسية في لقاء أولمرت مع أبومازن في البتراء، من خلال الشروط التعجيزية التي شدّد عليها الأول وقال إنها «غير قابلة للتفاوض»،.
وكذلك سدت طرق الحركة أمام المزارعين الفلسطينيين في غور الأردن من خلال محاصرة قراهم وأراضيهم لعزلهم ومنعهم من الوصول إلى مزارعهم؛ مع عرقلة عملية تصدير محاصيلهم ووصولها إلى الأسواق، بالنهاية «لإجبارهم على مغادرة هذه الأراضي». هذا بالإضافة لعملية التطويق المفروضة أميركياً وأوروبيا على الساحة الفلسطينية.
طبعاً مثل هذا السلوك ليس غريباً على إسرائيل. هو من صميم ممارساتها وسياساتها إزاء الأراضي المحتلة، لكن تزامن إغلاق هذه المعابر مع تزايد احتمالات توصّل الأطراف الفلسطينية إلى اتفاق واسع، لا يبدو أنه صدفة، على العكس، هو يؤشر إلى وجود رابط يتمثل في العلاقة الطردية بين الاثنين، بقدر ما كانت شقة الخلاف الفلسطيني تضيق، بقدر ما كانت الانسدادات تتزايد وتتشدّد، الهدف واضح كالشمس.
وهو رفع وزيادة عوامل التأزيم في الساحة الفلسطينية للإرباك ومحاولة التخريب على إمكانات التقارب بين «فتح» و«حماس»، ويعني أن سد المعابر موظف لفركشة احتمالات سد الفجوات بين الطرفين، وبالتالي الإبقاء على الساحة الفلسطينية في حالة توتر؛ تكفل استمرار خلافاتها بشحنها بكل عوامل التفجير.
هل يقوى الحوار الفلسطيني ـ الذي تقول مصادره إنه بات على عتبة إعلان الاتفاق الموعود ـ على إحباط هذه المحاولات الإسرائيلية وردّ خنجرها إلى نحرها؟
حتى كتابة هذه السطور لم يكن الاتفاق الفلسطيني العتيد قد أبصر النور، بعض التسريبات الفلسطينية القريبة من مطبخ الحوار أوحت بأن ولادته مسألة ساعات فقط، وهذا يزيد من حراجة اللحظة؛ كما من مسؤولية المتحاورين، فالفشل خسائره كبيرة، ويزيد من الإحباط والبلبلة، ويصبّ في تزخيم محاولات إسرائيل لقطع الطريق على أية تفاهمات فلسطينية.
والأخطر أنه يزيد من انكشاف الساحة الفلسطينية؛ فيفضح عجزها عن توفير أدنى الشروط اللازمة للمواجهة والصمود؛ وفي ذات الوقت يؤدي إلى تعميق الشروخات في الجسم الفلسطيني، باختصار عدم التوافق هو أفضل هدية يتوقعها أولمرت وإسرائيل، والتحدي أن الاتفاق مطلوب الآن وليس غداً، وإلا فات أوانه.
فإذا كان ثمة نية لبلوغه؛ فهذا هو الوقت المناسب ليس فقط لإخراس الزعم الإسرائيلي المخادع، الذي يتلطّى دوماً بذريعة أنه لا يوجد مفاوض فلسطيني، وهي لا تسعى إلى التفاوض أصلاً؛ سواء وجد هذا المفاوض أم لا، لكن أيضاً لإبلاغ الرسالة القاطعة لإسرائيل، بأنها لن تقوى بعد الآن على توظيف الخلافات الفلسطينية وأنها وهذا هو الأهم، إذا ما قررت المضي بالفصل الأحادي عليها مواجهة الساحة الفلسطينية ككتلة واحدة.
الجميع في الانتظار وعلّه لا يطول، العملية في سباق مع الزمن، وإسرائيل توظف كل لحظة منه لسدّ الاتفاق أمام الفلسطينيين، الرد يكون بقطع الطريق على قطّاع الطرق الفلسطينية.