الخبر الذي شد انتباهي هذا الصباح هو التقاعد المبكر لبيل غيتس.. أغنى رجل في العالم لسنوات خلت وللسنوات القادمة. كلنا نعرفه فهو يملك خمسين مليارا من الدولارات بعدد سنوات عمره.

سوف يتقاعد بيل غيتس عام 2008 بعد أن تربع على عرش مايكروسوفت لمدة 30 عاماً. لننظر إلى قائمة أعدائه الذين سيحاربهم بعد تقاعده وتفرغه للعمل الاجتماعي؛ فهو يريد القضاء على الملاريا في إفريقيا، ومساعدة الفقراء في العالم أجمع. ماذا يعني هذا الخبر؟

المعنى أن بيل غيتس يرى في العالم شيئاً أكبر من الثروة، فهو قطعاً صاحب رؤية ويتمنى لو استعمل جميع الناس هذا الكومبيوتر العجيب الذي اخترعه وطوره بحيث يكون في متناول كل الأفراد خاصة جيل الشباب.

سوف يتفرغ غيتس لإدارة مؤسسته الخيرية التي يبلغ رأسمالها 30 مليارا والتي تشاركه في ملكيتها وإدارتها زوجته ميلندا، وكما قال «هذا ليس إعلانا بالتقاعد المبكر ولكنه جدولة للقضايا الأهم التي تشغل تفكيري».

مؤسسته تركز على توفير الصحة والتعليم للفقراء في جميع أنحاء العالم ولكن البرنامج الأهم هو الذي نفذته المؤسسة داخل الولايات المتحدة وهو عبارة عن برنامج بعثات للطلبة الأميركيين من أصول إفريقية ومن الهنود الحمر ومناطق في ألاسكا وهؤلاء تبلغ معدلاتهم درجات عالية.

ولكن غير كافية بحيث تؤهلهم للحصول على بعثات من الجامعات الكبرى، وليس لديهم المال اللازم لإكمال تعليمهم. وهناك 4 ,4 ملايين من هؤلاء الشباب خريجي المدارس الثانوية استطاع برنامج بيل غيتس مساعدة 10000 طالب منذ عام 1999 وحتى الآن لدخول أفضل الجامعات.

يشرح بيل غيتس فلسفته بصورة مبسطة ويقول «إن بشاعة اللامساواة في العالم تتجسد بموت الأطفال الذين كانوا سيبقون على قيد الحياة لو توفر لهم بضع مئات من الدولارات، وهذا ما سأغيره بنفسي». يمكن قول الكثير هذه الأيام عن العمل التطوعي أو الخيري: إن طريقة مساعدة الآخرين قد تغيرت من التبرع بالمال إلى الاستثمار الاجتماعي.

مثل هذا الرجل الذي يؤمن بقضية نبيلة يستطيع بالإنفاق بلا حدود أن يغير الكثير من الأمور السيئة على مستوى العالم. ومن المعروف أنه سيوصي لبناته الثلاث وزوجته بعشرة ملايين دولار فقط لكل واحدة والباقي سيذهب إلى مؤسسته الخيرية.

ولكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهني لاإرادياً هو مقارنة ما يجري هناك وما نراه عندنا. لقد قام جزء كبير من نهضة الغرب على يد أفراد كرسوا مالهم ووقتهم للنفع العام ولخدمة المجتمع بشتى الوسائل.

ومعظم الجامعات الشهيرة هناك ترتكز ميزانيتها على تبرعات فردية خاصة من خريجيها حتى وصلت الأموال المرصودة لجامعة هارفرد مثلاً إلى 20 مليارا من الدولارات؛ تصوروا كل تلك الأموال لجامعة واحدة.

ويذكرني ذلك بالعمل الجليل الذي قامت به الأميرة المصرية فاطمة طوسون حيث تبرعت بمجوهراتها وبقطعة أرض لبناء جامعة القاهرة ولكن هذا المثل نادر الوجود في أيامنا.

فمعظم التبرعات حالياً تنصب في بناء المساجد ودور العبادة وهو أمر لا أنتقده وإنما وددت لو يخصص جزء منه لبناء ما نحتاج إليه من استثمار اجتماعي كالذي يفعله بيل غيتس وغيره من كبار المتبرعين. فالأوقاف التي خصصها الأجداد على فعل الخير بقيت كما هي لم تتطور واقتصرت على بناء المساجد وتوزيع الحسنات وتأسيس جوائز سنوية لأفضل شعر أو نثر أو قصة باسم المتبرع. ولم تتطور لتخدم أغراضاً اجتماعية أخرى نحن بأشد الحاجة إليها.

لم نر أي فرد يؤسس وقفاً لابتعاث طلابنا إلى الخارج أو لبناء متحف أو مسرح أو حديقة تسمى باسمه. فمتى نرى مثل هذا الاستثمار الاجتماعي يصبح حقيقة واقعة في حياتنا اليومية.. أم سيبقى ذلك حلماً يراودنا كبقية الأحلام التي انطفأت مع الهزائم والانكسارات المتلاحقة التي نعيشها ولا نستطيع فعل أي شيء لصدها.