فجأة يعود الصومال بقوة إلى دائرة الضوء على الصعيد العالمي. تعقد «مجموعة الاتصال حول الصومال»، بناء على دعوة واشنطن، أول اجتماع لها في نيويورك اجتماع دون شك ستليه اجتماعات أخرى لبلورة استراتيجية، لا أحد يعرف ملامحها بعد، للتعامل مع الوضع المتفاقم في الصومال، استراتيجية من النوع الاستباقي المتأخر.
ويعترف جون بولتون مندوب الولايات المتحدة لدى المنظمة الدولية بأن المطلوب فهم أفضل للوضع في البلاد. هذا اعتراف شبه ضمني أو غير مباشر بالخطأ الذي وقعت فيه واشنطن عندما مولت وسلحت ودعمت زعماء الحرب الذين تجمعوا تحت عنوان تحالف المحاكم الإسلامية في مقديشيو وفي المدن والأراضي الصومالية.
الموقف الأميركي الداعم لمن هم مسؤولون بشكل كبير عن استمرار الوضع القائم في الصومال جاء بنتائج عكسية اذ ساهم في زيادة الالتفاف حول تحالف المحاكم الإسلامية.
فجأة تنتقل المسألة الصومالية في العواصم الدولية والإقليمية المعنية من دائرة الإهمال إلى دائرة الانشغال. تحكم عملية الانتقال هذه مفارقة مهمة:
فبقدر ما ان الصومال أو أي بلد مشكلة داخلية لأهله أيا كانت التداعيات الانسانية والأمنية لهذه المشكلة واستفحالها على ذلك الداخل فهو أمر منسي وبقدر ما يصبح أو يهدد بالتحول إلى مشكلة خارجية بسبب تصدير التوتر والعنف والارهاب ينتقل إلى دائرة الضوء أو يعود إليها وتجري عملية احياء المسألة من جديد على الأجندة الدولية.
ثلاثة أمور أساسية دفعت لهذا الهلع المتزايد والاهتمام السريع والمفاجئ بالصومال وقبل ذلك للتذكر بأن هنالك مأساة صومالية: أولا الانتصارات السريعة التي حققها تحالف المحاكم الإسلامية الذي امتد نفوذه مثل النار في الهشيم واللون العقائدي والسياسي الذي يحمله هذا التحالف وتدل عليه بعض سلوكياته ومواقفه ورؤيته للقضايا العامة.
يذكر ذلك كله بصعود الطالبان في افغانستان كما يذكر بهم أيضاً من حيث الجهل بتركيبة هذه القوة الإسلامية الصاعدة وزعمائها. ثانيا تواكب هذا التطور كما لو أنه عدوى مع عودة الطالبان إلى المسرح الأفغاني بقوة.
من قال ان التاريخ لا يعيد نفسه ينسى أو يتناسى تكرار الخطأ ذاته في أفغانستان، في المرة الأولى بعد التخلص من العدو السوفييتي وفي المرة الثانية بعد التخلص من العدو الطالبان واذا كان عدم الاكتراث هو سمة الحالة الأولى فانه كان بدرجة أقل في الحالة الثانية لكن جاء معه سوء إدارة لملف اعادة البناء الوطني.
ثالثاً عامل قد يبدو بعيدا، بسبب الجغرافيا والاجتماع، و لو أنه حامل لدروس وعبر تنطبق في الحالة الأفغانية مكررة وفي الحالة الصومالية الناشئة وهو قضية تيمور الشرقية، الدولة الصغيرة والفتية جدا التي تركت لوحدها بشكل مبكر من طرف الأمم المتحدة.
انها دروس تذكر بتداعيات تحول الدول الطبيعية أو الجديدة إلى نموذج الدولة الفاشلة الذي هو احدى أهم سمات القرن الواحد والعشرين ودون شكل احدى أهم تحديات التي يواجهها العالم في هذا القرن، خاصة أن هنالك الكثير من المؤشرات التي تدل على عملية التحول للدولة من الحالة الطبيعية إلى حالة الدولة الفاشلة، والتي يمكن معالجتها مبكراً.
ملاحظات أخيرة حول المسألة الصومالية التي هي على مفترق طرق: ان رعاية الاهتراء عن بعد عن طريق عدم الاكتراث منذ خروج الأمم المتحدة رسمياً من الصومال في منتصف العقد الماضي، سمح باستشراء ظاهرة العنف.
وفقدان الأمن والامان وتردي وانهيار الأوضاع الاقتصادية وانتشار العنف وسياسة التطهير العرقي وانهيار الدولة كليا وقيام دول أمر واقع ميليشياوي تحت مسميات أو عناوين سياسية وطنية مختلفة ووجود سلطة وحكومة صورية لا تحكم ويتعامل معها الخارج فقط رسميا حفاظا على الشكل وربما اراحة للضمير.
ثانيا ان اعادة بناء الدولة ملية مطولة ومعقدة وتستلزم اهتماما متواصلا واستثمارا كبيرا ومتعدد الأوجه وتعاونا شاملا فلا التخلي عن المسؤوليات بشكل مبكر كما حصل في تيمور الشرقية، ولا الغياب الكلي أو الحضور غير الكامل والمساعدة الناقصة كما كانت عليه الحالة عليه في النموذجين الأفغانيين، ولا الابتعاد كليا كما حصل في الصومال يسمح باعادة بناء الدولة.
ثالثا يكتسي الصومال أهمية خاصة في المناخ الذي نشأ بعد 11 سبتمبر المعولم ولأن الصومال كان قاعدة لعمليات ارهابية في الشرق الإفريقي ولأن الصومال ذات موقع استراتيجي مهم بالنسبة لخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر، ولأنه قد يتحول في افريقيا التي تضم عدداً من الدول المرشحة لأن تصبح دولا فاشلة، الى قاعدة خلفية ومنصة انطلاق للارهاب في هذه الدول.
رابعا وللتذكير فإن صعود نجم جماعة المحاكم الإسلامية اليوم كما كانت طالبان بالأمس يعود إلى كونهما يمثلان نقيضا للوضع القائم ومشروعا واعدا بالخروج من حالة الانهيار والتفتت المجتمعي الحاصل، وعنوانا للعدالة والأمن ورد فعل على الظلم.
ليس الوقت متأخرا لانقاذ الصومال مما هو في الطريق إليه لكن المطلوب مقاربة جديدة تستفيد من الدروس، دروس المآسي القريبة والبعيدة عن الصومال، ومسؤولية دولية واقليمية مختلفة وجدية عما كانت عليه في الماضي. دون ذلك فإن الصومال يجري بسرعة نحو الأفغنة بما تحمله هذه من مآس لأهله ومخاطر عليهم وعلى منطقتهم والعالم.
كاتب لبناني