الرأي العام في مصر مشغول بحديث الأحذية. فقبل أسابيع شهد البرلمان المصري واقعة شهيرة حين اشتبك عضو المجلس المستقل طلعت السادات (ابن أخ الرئيس المصري السابق) مع أحد أبرز رجال الحزب الوطني الصاعدين أحمد عز الذي كان يرد على اتهام السادات له بأنه تلاعب في البورصة المصرية وحقق أرباحا طائلة.
وأنه كوّن ثروة طائلة في السنوات الأخيرة قدّرها بأربعين مليار جنيه، وأنه استولى على اكبر شركة لإنتاج الحديد في مصر بوسائل غير قانونية و احتكر صناعة الحديد ورفع الأسعار دون وجه حق.
كان رجل الحزب الوطني القوي يرد، حين قال ما أثار السادات، فحدثت مشادة قيل إنه خلع فيها حذاءه وهدد بضرب أحمد عز.. أو على الأقل هذا ما أكده 200 عضو من أعضاء المجلس المنتمين للحزب الوطني وهم يطلبون محاسبة النائب السادات على خروجه على التقاليد البرلمانية، بينما نفى عدد من النواب «المستقلين» الواقعة وسعوا لإنهاء الموضوع حتى لا تصل الأمور الى إسقاط عضوية السادات.
وبالفعل تم التحقيق في الواقعة من اللجنة المختصة برئاسة رئيس البرلمان نفسه، وتم إغلاق الملف إغلاقاً محكماً، حيث انتهى الأمر الى أن الاتهامات التي وجهت لأحمد عز غير صحيحة وموقفه القانوني سليم تماما، والسادات نفسه يكن له كل تقدير واحترام، أما الحذاء فلم يخرج من قدم صاحبه .
ولم يره أعضاء الحزب الوطني المئتان من أعضاء المجلس الذين اقسموا أنهم شاهدوا الواقعة وطلبوا معاقبة مرتكبها، والذين ثبت أن بعضهم قد تم وضع توقيعه على الطلب وهو خارج قاعة الاجتماعات، وبعضهم كان خارج البلاد كلها!
لكن المفاجأة جاءت بعد ذلك، ففي الوقت الذي كان الكل يكتفي بإغلاق الملف، كان طلعت السادات يظهر على شاشة التلفزيون ليعلن أنه بالفعل قد خلع الحذاء وكاد يستخدمه في الرد!
ثم كانت المفاجأة الأكبر.. فلا أحد علق على ذلك أو اتخذ موقفاً منه. لا المجلس ولا الحزب الوطني، ولا الصحف التي تفرّغت أياما قبل ذلك للدفاع عن أحمد عز والمطالبة بفصل السادات.
الكل التزم بالصمت، وكأنه يريد أن يسدل الستار على الواقعة.. وما وراءها!! وذلك رغم ارتفاع الكثير من الأصوات التي تطالب بعدم التركيز على واقعة «الحذاء» وإنما على ما أثير من اتهامات كشفت الحاجة الى الشفافية التامة ونشر كل الحقائق المتعلقة بالذمم المالية لمن يتصدون للعمل العام، وكذلك بشأن ما يتعلق بالصفقات الخاصة بالمال العام بيعاً وشراءً.
ومع انطلاق كأس العالم لكرة القدم، تصور الكثيرون أن حمى الكرة سوف تأخذ الرأي العام بعيداً عن العديد من القضايا، وأن حكاية حذاء مجلس الشعب ستختفي مع تفرغ الجميع لمتابعة المباريات على المقاهي وفي الساحات التي وضع فيها الحزب الوطني شاشات كبيرة لعرض المباريات للتغلب على حكاية «التشفير» التي حرمت الملايين من متابعة المباريات في منازلهم.
لكن المفاجأة الأخرى كانت أن حديث «الأحذية» عاد هذه المرة من باب كرة القدم نفسها، وفي المباراة النهائية لكأس مصر التي أقيمت بعد انطلاق مباريات كأس العالم ومع ذلك شدت انتباه الجماهير في مصر (حضر المباراة أكثر من 40 ألف متفرج) لأنها كانت بين قطبي الكرة الأهلي والزمالك.
فمع اكتساح الأهلي للمباراة فقد رئيس نادي الزمالك المشهور بمشاغباته أعصابه، وإذا به يشتبك في المقصورة الرئيسية وأمام مندوب رئيس الجمهورية وكبار المسؤولين مع ممثلي النادي الأهلي، ويوجه الشتائم ثم يخلع الحذاء ويهدد باستخدامه، والمصيبة هنا أن الكاميرات كانت حاضرة، وان ما حدث تم تسجيله بالصوت والصورة!
وهكذا عاد حديث الأحذية ليفرض نفسه، و ليعيد الى الأذهان ما حدث في مجلس الشعب، وليعيد أيضا مظاهر من «البلطجة» والعنف شهدتها الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وليعيد أيضا مشاهد من العنف تم استخدامها ضد المظاهرات السلمية من جانب قوات الأمن، ولتتوالى الأسئلة.. لماذا يحدث ذلك؟ وإلى أين يؤدي؟!
لعل بعض الملاحظات التالية تلقي بعض الضوء على ذلك :
ـ هناك بالقطع تدن باللغة المستخدمة في الصراعات السياسية وغير السياسية، والمشكلة أكبر من تبادل الشتائم في بعض الأحوال، أو تهديد بالأحذية، أو استخدام العنف في أحوال أخرى. المشكلة أن المجتمع في حالة حراك سياسي شديد بينما لا توجد تنظيمات سياسية قادرة على قيادة هذا التحرك، ولا توجد أفكار خلاقة للتعامل معه.
ـ يرتبط ذلك أيضا بأن القوى الصاعدة أو التي يجري تصعيدها في السلطة وهي قوى تملك المال ولكنها لا تملك الرؤية السياسية. ومن هنا كانت الانتخابات البرلمانية الأخيرة شاهداً على الارتباط بين المال والبلطجة، وخاصة من الذين كونوا ثرواتهم بطرق ملتوية.
ولم يقتصر الأمر على انتخابات البرلمان، ففي الأندية الرياضية على سبيل المثال أنفق البعض الملايين في الانتخابات الخاصة بها، وبات واضحاً وجود فساد داخل هذه المؤسسات الرياضية، وأيضا استغلال البعض لمواقعهم فيها لتغطية أنشطة أخرى. وليس سراً أن العديد من رؤساء الأندية الكبيرة يقفون الآن أمام جهات التحقيق في اتهامات تتعلق بالفساد!
ـ مع وجود الفساد ومحاولته تعزيز مواقعه وحماية نفسه، ومع تداخل المال مع السلطة التنفيذية والتشريعية ومحاولة السيطرة على منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، ومع افتقاد الكثير من الشفافية المطلوبة، يندفع البعض إلى هذه الممارسات.
لكن ما يضاعف المخاطر أن ذلك يجري في ظل تراجع كامل وشامل للأحزاب السياسية، وتزايد في التحركات العشوائية السياسية. وفي ظل هذه الأوضاع غابت الوجوه السياسية البارزة عن مجلس الشعب، وأصبح طلعت السادات مثلاً رمزاً من رموز المعارضة مع أنه بدأ حياته العامة بالوقوف أمام المدعي العام الاشتراكي متهماً مع والده و أشقائه في بداية عهد الرئيس مبارك.
وقد شهدت شخصياً بعض وقائع هذه المحاكمة وما فيها من وقائع فساد صارخة، ولكنها بالقطع لا تقارن بفساد اليوم!
غابت الأحزاب، وغابت البرامج السياسية، ومع هذا الغياب أصبحت الصراعات الشخصية أساسية. ومع غياب الشفافية وتزايد التداخل بين السلطة والمال، وانتشار أحاديث الفساد كان طبيعياً أن نرى حديث الأحذية!!
ـ يتصل بذلك أنه رغم الضجيج العالي في الشارع السياسي، ورغم وجود حركات جديدة أثارت شيئاً من الحيوية بين النخبة، ورغم بدايات مبشرة لأجيال جديدة تبحث عن مجالات لتحركها، ورغم ما يثار في الصحافة من قضايا كانت غائبة، فإن المشكلة الأساسية أن الحوار الحقيقي غائب.
وفي غيبة هذا الحوار المطلوب حول القضايا الأساسية تتجه الأمور إلى «الشخصنة» ويصبح «الفرد» لا القضية هو الهدف، ومع استمرار هذا الوضع ـ وفي غياب القضية والحوار الموضوعي حولها ـ تتجه لغة الخطاب الى التدني، وتصبح الشتائم هي البديل عن الأفكار وتكون النهاية أن ترتفع الأحذية في مجلس الشعب وفي مقصورة الاستاد.. هل هي النهاية أم البداية؟
وهل تعود السياسة لتختفي البلطجة؟ وهل يعود حوار الأفكار والبرامج أم يستمر حوار الأحذية؟ علينا أن ننتظر لنعرف الجواب.
نقيب الصحافيين المصريين