دخل علي وهو يتصبب عرقاً، عيناه محمرتان، يتأفف وكأنه أفعى صحراوية، و«بوزه شبرين« وكأنه رصيف شارع حديث.
لم أتكلم، تركته يستريح، وهو لم ينتظر طويلا، فتح الله عليه ليخرج مخزون نفسه، و«ينكد» على يومي كله، قال هل تصدق انني كنت منهم، اسمي ضمن قائمة الأسماء التي لم تنشر، كنت في هذا الوقت من العام الماضي ارفل بأثواب السعادة والهناء، كل يوم يمر تسجل لي الاف الدراهم، وكل شهر يزيد حسابي صفرا على اليمين ورقما اكبر على الشمال.
لقد كنت منهم في الشهر السادس من العام الفائت، كنت املك مليون دولار، ولهذا حسبت ضمن التسعة والخمسين الف مليونير إماراتي، كنت منهم، كنت واحدا منهم، وأصبحت بعيدا عنهم، خرجت من بينهم، انسللت وانا اتفرج مثل بقية خلق الله حتى أصبحت لا املك مصروف يومي.
صمت، وتأفف، ثم أطلق تنهيدة تقطع نياط القلب، وما ان وضع يده على صدره حتى قفزت من مكاني، تذكرت حسين رياض «وآه يا قلبي» وتصورت صاحبنا ممددا على ارض مكتبي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، قدمت له الماء، سقيته بيدي، كنت هلعا، وعندما أردت ان اخفف عنه ببضع كلمات.
فيها تشجيع ومواساة مثل «كلنا في الهوا سوا» فقد أصابنا ما أصابك، وتبخرت دراهمنا كما تبخرت دراهمك، واستبشر خيرا، نظر إلي بعين يكاد ان ينفجر منها الدم من شدة الاحمرار، وانطلق من جديد، قال أي خير هذا الذي نستبشر به؟
ثلاثة فلوس زيادة وسهم اخضر «يطلع لسانه لنا» وتصفيق من جماعتك الصحافيين للانتعاش وعودة النشاط للسوق، وأنت تحاول ان تقارن نفسك بي، تدعي بأن ما أصابك مثل ما أصابني، كيف يكون ذلك؟ الم تسمعني جيدا؟
أقول لك بانني كنت ضمن قائمة «المليونيرية»، كانت لدي أربعة ملايين درهم قبل عام واحد، وأصبحت اقل من مليون درهم، ولهذا طردت شر طردة من «لوحة الشرف» فكيف تساوي نفسك بي، دراهمك اعرفها، فهي لم تزد في يوم من الأيام عن خمسين الف درهم.
فان أصبحت عشرة الاف أو ضاعت كلها فهي ليست أكثر من خمسين الفا، يعني لا شيء مع ما خسرته، خاصة فضيحتي امام «ام العيال» التي صورتني وانا احمل شهادة البنك التي تقدر ثروتي بأربعة ملايين.
والتي كانت لزوم دخول نادي أصحاب الملايين، والتي طارت عبر الانترنت إلى كل الذين يرصدون ويصدرون الإحصاءات، فهي لا تتحدث اليوم سوى عن الأسهم، ارتفعت وانخفضت.
وانا اسمع، ومع كل نظرة «شماته» يرتفع ضغطي، ومع كل ضحكة سخرية أصاب بهبوط حاد، اما أطفالي فان الغيرة تأكل قلوبهم من أصدقائهم الذين مازال آباؤهم ضمن القائمة، فهم دخلوها منذ سنين ولم يخرجوا، فاولئك لا يخسرون، نحن فقط من نخسر لاننا غيرنا أماكننا.
لم أعلق، خفت ان يشتمني هذه المرة، فتلفت حوله، ثم هز رأسه، وقال عندي فكرة أرجو ان تساعدني على تحقيقها، ولم ينتظر موافقتي، قال اريد عنوان مؤسسة «ميريل لينش» أريد القائمة بكل الأسماء، وسأضعها في إطار كبير على جدار بيتي، أريد ان أقول للناس انني كنت مليونيرا في يوم من الأيام.