في يناير الماضي، كتب حسين آغا وروبير مالي ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) «كان يراهن على الإنهاك الفلسطيني والتعب الإسرائيلي بعد أربع سنوات من المواجهات الشرسة كما على الرغبة الدولية في الانتهاء من هذا النزاع الذي لا نهاية له».(سلطة فلسطينية في حالة إنهاك - لوموند ديبلوماتيك 2006).

أما ناشط السلام الإسرائيلي يوري افنيري فقد كتب معلقا على انشقاق ارييل شارون عن الليكود وتأسيس حزب (كاديما) وفوز عميرام بيرتز زعيما لحزب العمل «يبدو ان النظام السياسي الإسرائيلي اصيب بالجنون». (زلزال سياسي في إسرائيل - لوموند ديبلوماتيك، يناير 2006).

كان ذلك قبل قليل من فوز حركة حماس في الانتخابات التي جرت في 25 من ذلك الشهر. وبعد قليل سيبدو هذا الفوز ايذانا بالغرق في حالة إنهاك فلسطينية لا حد لها، فكل الأولويات الفلسطينية تراجعت منذ ذلك الحين لصالح أولوية طارئة: «منع اندلاع حرب أهلية».

أمام تحديات جمة، غرق الفلسطينيون في حالة إنهاك مستمر ووصل الوضع حدا من الابتذال بحيث أصبح المصير الفلسطيني بأسره معلقا على مزاج بضعة شبان يختالون بالأسلحة في الشوارع، وباتت معارك الشوارع بين هؤلاء المزهوين بالاستعراضات التي ستحدد الكيفية التي سينزلق فيها الفلسطينيون إلى الحرب الأهلية.

بعبارة أخرى سيتوقف المصير على «الطيش» لا على الرؤى والبرامج. ليس لهذه الحال من أوصاف تستحقها سوى أنها تعبير عن بلوغ حالة الإنهاك الفلسطيني حدودها القصوى.

ليس الإسرائيليين بأفضل حالا، انهم يعيشون انقلاباتهم الخاصة وهي تبدو جدية رغم كل شيء.افنيري يشرحها بدقة بالغة بالقول «عندما يتلاحق زلزالان سياسيان خلال فترة زمنية قصيرة تكاد تكون هذه الظاهرة دون سوابق».

وحسب افنيري أيضاً فان الناحية الأبرز والأكثر حسما لهذا التغيير هي «ان النظام السياسي بأكمله انتقل إلى اليسار». وشيء من الدلالة في هذا التغيير يمكن ان يلحظ مع «تخلي كاديما عن البند الأول من العقيدة الدينية لليكود الا وهي السعي إلى قيام إسرائيل الكبرى وها هو اليوم يقبل بتقسيمها» حسب افنيري.

وإذا ما أضيف إلى هذا موقف زعيم حزب العمل الجديد عميرام بيرتز حول الحل القائم على الانسحاب إلى حدود 1967، تبقى هذه التطورات إشارات لحالة تعب لدى الإسرائيليين. لكن حالة التعب هذه لم تصل بعد إلى حد الإنهاك.

والسبب قد يعود إلى حال من اتفاق الحد الأدنى بين الإسرائيليين قائم على الدوام على تقليل الخسائر حيال الفلسطينيين والاهم من هذا إلى رسوخ الطابع المؤسسي لحركة التغيير السياسي لدى الإسرائيليين. لكن لنكن أكثر وضوحا، فحالة التعب لدى الإسرائيليين وهذا الانحراف الذي يصفه افنيري بالجنون لا يكتسب تماسكه رغم جنونه إلا عندما يقف أمام حالة الإنهاك الفلسطينية التي بلغت مستويات غير مسبوقة.

من المؤسف ان هذه التحولات الإسرائيلية لم تقرأ جيدا لدى الفلسطينيين لانهم باتوا لا يملكون الصفاء الذهني ولا القدرة على قراءة ما يجري داخل إسرائيل. فبناء موقف تفاوضي يملك اكبر قدر من القوة والتماسك أمام الإسرائيليين ليس من بين الأولويات على ما يبدو.

واستثمار هذه التحولات لتعزيز الموقف الفلسطيني عموما ليس من بين الأولويات لان الغرق في الصراعات الداخلية استنزف الفلسطينيين إلى أقصى حد واضعف أطرافه بما يفوق التصور. لقد ضعف كلا الطرفين، الرئيس والحكومة فماذا بقي إذن في مواجهة الإسرائيليين والعالم؟.

هل هناك تعريف آخر لغياب الرؤية؟. يفتقد الفلسطينيون لرؤية استراتيجية لإدارة معركتهم، وتبدو المعركة نفسها لدى البعض بحاجة إلى اعادة تعريف لان ما يجري لا يقدم أي مؤشر على اتفاق على ان الأولوية مازالت معركة استقلال وتحرر وطني. ان تحديد الأولويات ليس صعبا لكن بقدر ما تبدو اللحظة تاريخية حقا بقدر ما يبدو هذا الغرق في النزاع مهلكا إلى ابعد الحدود.

من السهل القاء اللوم على هذه المؤامرات التي لا تنتهي من الأميركيين والإسرائيليين ولوم العماء الأخلاقي لأوروبا أيضاً، لكن الجدارة هي علاج ما يتعلق بنا. وحالة الضعف هذه وغياب الرؤية ليست مسؤولية الإسرائيليين ولا الأميركيين بل مسؤوليتنا نحن.

لقد مرت على الفلسطينيين مثل أي حركة تحرر في العالم لحظات ضعف عديدة، لكن الفارق يبقى دوما في امتلاك الرؤية، فلم يكن الفلسطينيون أفضل حالا لحظة الخروج من بيروت ولا في اجتياح جنين وحالة الشلل التي أصابت السلطة منذ ذلك الحين، انها لحظة ضعف لكن الفارق كان واضحا لان الرؤية كانت لا تزال متماسكة وواضحة.

لكن ولأسباب لا يعدمها أي منطق لا يمكن مقارنة لحظة الضعف تلك الناتجة عن القوة الغاشمة للعدو المحتل وتلك الناتجة عن صراعات داخلية كهذه التي يغرق فيها الفلسطينيون إلى الحد الذي بات مصير الشعب معلقا بمزاج شبان لا يعرفون سوى ان يختالوا في الشوارع بأسلحتهم.

كاتب بحريني