أن يكون للعالم مجلس إدارة فهذا يعني أن العالم أصبح «شركة» وهو ما يستدعي على الفور طوفانا كاسحا من المشاعر المعادية للرأسمالية ـ وهي عموما مشاعر غير مبررة ولا عقلانية ـ والاجتماع الذي يستحق هذا الوصف ويستحق أيضا بامتياز ضجة رافقت انعقاده هو رأسمالي تماما .

حيث رئيس البنك الدولي ووريث مجد آل روكفلر ملوك العمل المصرفي على طاولة واحدة مع بعض المتنفذين وقليل من أصحاب الأفكار، وكأننا أمام ترجمة واقعية لكتاب «حكومة العالم الخفية» لشيريب سبريدوفيتش وهو من الكتب المثيرة للاهتمام والجدل. فهذا الكتاب واحد من أدبيات تحاول تفسير التاريخ كله تفسيرا تآمريا خالصا .

وهو جزء من تيار له تأثيره الواضح في العقل العربي بالإضافة إلى شبيهه الأكثر شهرة «أحجار على رقعة الشطرنج» لوليم جاي كار. ومنذ أصدر رجل المخابرات الأميركي الشهير مايلز كوبلاند كتابه «لعبة الأمم» ـ وقد تلاه كتاب آخر أقل شهرة لكنه ليس أقل أهميه هو «اللاعب واللعبة» ـ والقضية تأخذ أبعادا أكثر جدية.

ولعل الجانب الأجدر بالاهتمام في الضجة المثارة حول رواية «شيفرة دافينشي» التي حظرت في عدة دول عربية ليس السيرة المختلقة للسيد المسيح بل الحجم الرهيب لتأثير المحافل السرية في التاريخ الغربي وتستمد هذه القضية أهمية خاصة من حقيقة أن الرواية مبنية على بحوث تاريخية دقيقة وأن السرد فيها مجرد إطار روائي لا أكثر.

الطريق لحكومة عالمية

وفكرة الحكومة العالمية التي يثير ذكرها الكثير من السخرية راودت الكثير من المفكرين على امتداد التاريخ الحديث فقد كان فيلسوف التفكيك جاك ديريدا يناصر الوحدة الأوروبية بكل قوة ويرى فيها مدخلا لإنشاء الحكومة العالمية من خلال تزويدها بجيش قوي مستقل عن أميركا وحلف الأطلسي مع إنشاء أمم متحدة أخرى لتكون بمنزلة الحكومة العالمية ولكي يتولى الاتحاد الأوروبي تنفيذ قراراتها، لأجل الحق والعدل بعيدا عن الهيمنة الأميركية!.

وديريدا في نزوعه هذا ليس الوحيد في تاريخ الفلسفة الحديثة إذ يؤيده يورغن هابرماس وهو أيضا ليس الأول إذ كان أول من دعا لإنشاء حكومة عالمية فيلسوف حركة التنوير الألماني الشهير إيمانويل كانت الذي كان أول من فكر في تحقيق السلم العالمي عن طريق حكومة كونية وذلك قبل نشأة الأمم المتحدة بمئتي عام.

وقد كان للفكرة أيضا صداها في مراجع علمية تتصف بالرصانة الشديدة فمثلا الأكاديمي الأميركي ذائع الصيت جون ج ميرشايمر (صاحب التقرير المثير للجدل عن النفوذ الصهيوني في أميركا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو الأميركية المدير المشارك لبرنامج سياسة الأمن الدولي بها .

وهو إلى جانب ذلك واحد من ألمع المتخصصين في الشئون الدولية وصاحب نظرية في العلاقات الدولية هي «نظرية الواقعية الهجومية)، ميرشايمر اعتبر في كتابه (مأساة سياسات القوى الكبرى) أن آمال السلام في القرن الجديد لن تتحقق لأن الدول الكبرى التي تشكل النظام الدولي تخشى كل منها من الأخرى، وبالتالي تنافسها على القوة مستهدفة تحقيق الهيمنة كأفضل وسيلة لضمان البقاء.

ويترتب على هذا وضع مأساوي لا مهرب منه ما لم تتفق الدول التي تملك تأثيرا كبيرا على الساحة الدولية على تأسيس: «حكومة عالمية»، وما دام هذا التحول غير محتمل حتى الآن فإن الصراع والحرب سيظلان أهم معالم السياسة الدولية.

وكما أثارت تصريحات المليونير اليهودي والتر راتناوا قبل عقود بأن العالم تحكمه حكومة خفية من 300 شخص ضجة كبيرة في حينها فإن اجتماعا من نوع خاص جدا استدعى هذا الميراث الكبير من المخاوف والأوهام، وهو على كل حال لا يخلو من الحقائق!

الفكرة والمال والسلطة

الاجتماع يحمل اسم مدينة بيلدبيرغ الهولندية التي عقد فيها للمرة الأولى عام 1954 وهو مؤتمر سنوي «سري» للغاية يعقد لمدة ثلاثة أيام بمدينة أوتاوا الكندية ويجري في ظل إجراءات أمنية مشددة ويحضره جمع من الشخصيات تنتمي إلى عوالم مختلفة: السياسة والفكر والأعمال من أنحاء مختلفة من العالم. مؤتمر هذا العام يبحث قضايا النفط والهجرة وإيران وبين المشاركين:

رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون والملكة بياتريس ملكة هولندا ووزير الخارجية الأميركي هنري كيسنغر والمصرفي الشهير ديفيد روكفيللر وريتشارد بيرل مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، أما المشارك الذي تعتبر مشاركته مفاجأة تستحق التوقف فهو السياسي العراقي أحمد الجلبي!.

وفي مواجهة اتهامات بالسعي للسيطرة على العالم وإنشاء حكومة عالمية أصدر المؤتمر بيانا قال فيه إنه يهدف إلى «تشجيع المناقشات الصريحة والمفتوحة». والمثير بشكل خاص في المؤتمر هذه الخلطة الغريبة بين منظري السياسة والمتنفذين والمصرفيين فهؤلاء يمثلون القوى الثلاث الأكثر فتكا في عالم اليوم:

الفكرة والمال والسلطة، ويمكن بقليل من التجاوز اعتبار هذا المؤتمر الوجه الآخر لمنتدى دافوس فكلاهما قمة غير رسمية لها تأثير في السياسة الدولية ربما يفوق تأثير القمم الرسمية وإن كان أحدهما سريا والآخر علنيا.

المؤتمر من ناحية أخرى ينعقد في ظل جدل دولي كبير حول توازن ما بعد الحادي عشر من سبتمبر في السياسة الدولية فالشكوى لا تنقطع من روسيا والصين وبعض الأطراف الأوروبية من هيمنة أمريكية وتفرد بالقرار الدولي يجعلها تكاد أن تتحول إلى «حكومة عالمية» وهو ما ترفضه قوى كثيرة على ساحة السياسة الدولية.

وقد كان التوازن القائم خلال النصف الثاني من القرن العشرين قائما على ما سمي «سياسة الوفاق» وقد كان هناك إلى جانب الترتيبات العسكرية والسياسية بين الحلفاء الغربيين «مجلس إدارة مصغر» هو السبق السبع الكبار الذي انضمت إليه روسيا فيما بعد. وخلال السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي ومن بعده الكتلة الشرقية اتسمت السياسة الدولية بحالة من السيولة كتبت احداث الحادي عشر من سبتمبر نهايتها.

وربما كان التغير الأكثر أهمية هو تحول الخصم الرئيس للولايات المتحدة من التهديد والوعيد إلى المناشدة والمطالبة «المهذبة» بأمل الوصول إلى توافق دولي جديد اختار له وزير الخارجية الروسي تعبير «حكومة عالمية»، فقبل أيام من انعقاد هذا المؤتمر المثير للجدل دعا وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف (11/ 6/ 2006 موقع إيلاف الإخباري) إلى إقامة حكومة عالمية تضم الولايات المتحدة الأميركية وروسيا .

وتأتى دعوة لافروف في وقت يجري الحديث في موسكو عن تعكر أجواء العلاقات بين موسكو وواشنطن وظهور مؤشرات لحرب باردة جديدة وتشكيل أميركا جبهة «من الديمقراطيات الجديدة» في أوروبا الشرقية وأوكرانيا وجورجيا لمجابهة « الدب الروسي».

وقال لافروف في حديث صحافي لمجلة «روسيا في السياسية العالمية» إن تشكيل «جوقة» الدول الكبرى ستنفي الحاجة إلى مختلف أنواع توازن القوى.

ويبقى أن العرب ممثلون في مجلس إدارة العالم حتى لو كان الجلبي هو من يمثلهم.

كاتب مصري