نجحت الملابسات الخاصة بعزم كوريا الجنوبية إطلاق صاروخ بعيد المدى، في حجب الأضواء إلى حدٍّ ما عن الأزمة النووية الإيرانية، ومع ذلك تظلُّ الأزمة الغربية مع طهران رهن التناول مع أيِّ خفوت للجدل الساخن حالياً حول كوريا الشمالية، ومع أيِّ تصريح إيراني يستهدف تحريك الأوضاع بشأن تأكيد الحقِّ في تطوير البرنامج النووي، أو حتى صدور تصريحات إيجابية، كما وصفت الخارجية الأمريكية مؤخراً، ردود أفعال طهران على مقترحات أوروبية في إطار محاولات التسوية.

وفي الحالتين، الإيرانية والكورية الجنوبية، فمن الواضح أنّ لهجة التحدِّيات من قِبل الدولتين، تجيء في إطار الرد على أسلوب التحذير العسكري الشديد الصرامة من قِبل الولايات المتحدة، وهي تحذيرات تستفزُّ بشدّة النزعات الوطنية، وترفع من درجة الحساسية المرتبطة بالكرامة، في عالم ينظر باهتمام كبير إلى ما تفعله الولايات المتحدة في شتى أنحاء العالم، من أفعال يغلب عليها الطابع العسكري، والأمثلة تمتدُّ من أفغانستان إلى العراق، فضلاً عن إيحاءات بالتدخُّل تشمل عدّة نقاط ساخنة في القارة الإفريقية، من وسطها إلى شرقها حيث الصومال، الذي يعد بتطوُّرات على درجة كبيرة من الأهمية .

فالكثيرون في مختلف أنحاء العالم، يرون في المواقف الكورية الشمالية والإيرانية، ما يستجيب إلى تطلُّعاتهم في الحدِّ من هذه النزعة العسكرية الأمريكية، وهم يتابعون بشغف أحياناً المناظرات الحامية والتصريحات عبر الشاشات البلُّورية مع كلِّ تطوُّر جديد في كوريا وإيران، بعد أن تكون ذاكرتهم قد تم إعادة شحنها بمشاهد العنف الدموية في العراق، وبالذات مشاهد الإبادة الجماعية للأُسر الآمنة من قِبل القوات الأمريكية التي توالت فظائعها في الفترة الأخيرة، فيما يتصل بقتل المدنيين وعمليات التعذيب، باعتراف المَرَاجع الأمريكية الكبرى، بما فيها البنتاجون.

ومن الواضح أنّ الرأي العام الدولي يتشكَّل حالياً وفقاً لمقتضيات السياسة الدولية التي نأَتْ بنفسها كثيراً عن الدبلوماسية، وأفسحت في المجال كثيراً أمام الاستعراض العسكري والقتل أمام الكاميرات، وانحازت بشدّة لأسلوب القوة، الأمر الذي يهدِّد بتبنِّي أسلوب العنف حتى لدى العامة، دعك عن المنظَّمات الأكثر ميلاً إلى الأخذ بالعنف كأسلوب أوحد في استراتيجياتها، وهذا تحديداً ما يُعرف بالإرهاب، أو هو في أفضل الأحوال مقاومة مسلَّحة، وفقاً للحالة الماثلة في كلِّ دولة.

ومن المهم كثيراً تحوير هذا التوجُّه العنيف، الذي يتعاظم بصورة جماعية في العقل الجماعي الشعبي الدولي، الذي يمثِّل الملهم الأكبر للتحرُّكات الدبلوماسية الدولية، على الرغم من الانتكاسة الحالية التي يتعرَّض لها هذا العقل الجماعي، أو الضمير الإنساني، بانسياقه وراء ساسة يهمُّهم كثيراً أن يسعوا إلى تسوية الشؤون الدولية بهذا الأسلوب الدموي وحده.