هل يستطيع مجلس وزراء خارجية اتحاد المغرب العربي الذي انعقد في طرابلس بالجماهيرية الليبية مؤخراً لمّ الشمل هذه المرة وتحديد تاريخ لعقد قمة الاتحاد المغاربي التي لم تعقد منذ سنة 1994؟ سؤال يبدو مهما جدا خاصة وأن ليبيا مصممة على تفعيل الاتحاد واستدراك ما ضيعته الدول الخمس خلال أكثر من ثلاثة عقود.
الخبر السار هذه المرة يأتي من طرابلس حيث صرح وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى «أن الرباط لن تسمح بمناقشة موضوع الصحراء الغربية على طاولة اجتماعات اتحاد المغرب العربي، لكونه موضوعا أصبح مطروقا أمام الأمم المتحدة، وأي حديث جانبي سوف يعيق عمل الجهود الدولية لهذه القضية».
دول الاتحاد المغاربي في معظمها بحاجة إلى مراجعة الذات فيما يتعلق بممارستها للسياسة والديمقراطية وهي بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في علاقة السلطة بالفرد وبالأحزاب السياسية والمعارضة، كما أنها بحاجة كبيرة جدا لمراجعة عملها الاستراتيجي المشترك لتوحيد صفوفها فيما يتعلق بالتحديات التي تواجهها على الصعيد الإقليمي والدولي.
وأكثر من أي وقت مضى أصبح الأمر يتطلب تبني سياسة التناوب على السلطة وثقافة الديمقراطية في صناعة القرار واحترام الرأي العام والتخلي عن أساليب الاستبداد والتسلط والإقصاء والتهميش.
على الصعيد الخارجي دول الاتحاد المغاربي لا خيار لها سوى التنسيق والاتحاد والتلاحم وتفعيل التعاون فيما بينها حتى تصبح قوة تنافس القوى الإقليمية والدولية المختلفة وكذلك حتى تصبح فاعلة في المحافل الدولية مثلها مثل غيرها من الاتحادات والتحالفات السياسية والاقتصادية وغيرها.
هل تعيد مبادرة ليبيا الأخيرة الحسابات وتستدرك ما فات لتفعيل الاتحاد المغاربي وتضع دول المنطقة على المدار لمواجهة التحديات بكل شجاعة وإيجابية وموضوعية.
التقارب المغربي الجزائري وخاصة في موضوع مكافحة الإرهاب واحتوائه، واستبعاد مشكلة الصحراء من أجندة اجتماعات الاتحاد المغاربي تركا الكثير من المحللين والمختصين في الشؤون المغاربية يتفاءلون خيرا لمستقبل اتحاد المغرب العربي الذي مازال يعاني من شلل يكاد يكون تاما.
تاريخيا عقدت سلسلة من المؤتمرات واللقاءات وصل عددها إلى ستة وامتدت من 1964م إلى 1970م نجمت عن ميلاد لجنة مغربية استشارية، لم تفعل الكثير وبقيت حبرا على ورق في معظم الأوقات.
ومن سنة 1974م إلى 1988م مرّ مشروع اتحاد المغرب العربي بفتور وبشلل كامل وحتى مستوى التبادل التجاري لم يتعد 3% من التجارة الكلية وهذا لا يشجع بطبيعة الحال على الكلام أو التحدث عن اتحاد في الأفق.
و جاء 12 من يونيو 1988م ليجمع قادة المغرب العربي (الجزائر ـ المغرب ـ تونس ـ ليبيا وموريتانيا) في زرالدة بالجزائر حيث انبثق المؤتمر عن تكوين خمس لجان لمتابعة تنفيذ الاتحاد في الميدان وفي جميع المجالات. وجاءت أهم توصيات المؤتمر مؤكدة على ما يلي: إنشاء منطقة للتبادل التجاري الحر قبل 1992م.، إنشاء اتحاد جمركي قبل سنة 1995م، وإنشاء سوق مغاربية مشتركة في سنة 2000م.
أعلن مؤتمر مراكش في 17 فبراير 1989م رسميا عن ميلاد اتحاد المغرب العربي الذي وجد كاسم وكهيئة وكجسد خال من كل روح ومن كل إنجازات تفيد شعوب المنطقة.
فتوصيات زرالدة بقيت حبرا على ورق ولم يتحقق منها شيء وبقي مشكل الصحراء الغربية المشكل رقم واحد الذي انكسرت عليه وفيه كل المحاولات الصريحة والجريئة لتوحيد المنطقة.فصراع الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب وبدرجة أقل موريتانيا قضى على كل الآمال والطموحات الوحدوية في المنطقة.
ثم جاءت قضية لوكربي والحصار على ليبيا الأمر الذي أدى إلى إضعاف خطير للجماهيرية وللطموحات الوحدوية للعقيد معمر القذافي الذي لام واستاء كثيرا من موقف دول الاتحاد من محنته وأزمته. وجاءت الأزمة الجزائرية .
والتي تفجرت في يناير 1992م وأصابت الاتحاد بشلل عام وشامل. واتحاد المغرب العربي بجزائر مشلولة تصارع الإرهاب وتحاول أن تتخلص منه في أقرب وقت يعتبر اتحادا مشلولا وضعيفا. الجزائر التي كان يعوّل عليها في المنطقة عانت الكثير فتراجعت في مختلف الميادين، خاصة في المجال الاقتصادي، وعايشت مشاكل مختلفة ومتعددة ومعقدة.
وهكذا تحطمت الآمال والأحلام في منطقة كانت مؤهلة بكل المقاييس لأن تعيش تجربة اتحادية فريدة من نوعها وناجحة.
مشكلة اتحاد المغرب العربي تكمن في ضعف التبادل الاقتصادي والتجاري بين الدول الأعضاء. ففي سنة 2004م على سبيل المثال، كان التبادل التجاري بين دول الاتحاد يتراوح ما بين 2 إلى 5% .
بينما تبادل دول اتحاد المغرب العربي مع الاتحاد الأوروبي وصل إلى 65% (واردات وصادرات). فحجم التبادل التجاري للجزائر مع دول المغرب العربي لم يتعد 7,1%، أما بالنسبة لتونس وموريتانيا وتونس وليبيا فإنه لا يكاد يذكر تماما. ومن هنا ورغم الإمكانيات الهائلة لدول المنطقة في التكامل الاقتصادي إلا أن التبادل لم يصل إلى المستوى المطلوب.
الآمال كانت معلقة على اتحاد المغرب العربي في استغلال الإمكانيات البشرية (73 مليون نسمة) والاقتصادية (زراعة، ثروات معدنية، بترول، غاز، فوسفات، طاقات بشرية هائلة، سياحة الخ) وكذلك العوامل المشتركة من دين وتاريخ ولغة وعادات وتقاليد وقيم لتنمية دول المنطقة وتطويرها وكذلك لمواجهة تحديات ورهانات الاتحاد الأوروبي الذي تفصل بينه وبين الدول المغاربية مئات من الكيلومترات فقط. هذه الآمال تبددت وكانت دول المنطقة أكثر تلاحما وتضامنا عندما كانت تحت وطأة الاستعمار.
ما حدث هو أن كل دولة تشبثت وتمسكت بقناعتها وتوجهاتها وتقوقعت على نفسها وكل دولة غلب عليها طابع الأنانية وبذلك كثرت الشعارات على حساب التوصيات العملية، وشهدت دول الاتحاد بعض المعاهدات الثنائية وبعض الاتفاقيات والتي لم تستطع ولا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تكون فعالة في الواقع وأن تتصدى لتحالفات وتكتلات واتحادات أكثر قوة وفعالية.
يفرض تحدي الديمقراطية نفسه على دول المنطقة التي يجب أن تضع في حساباتها معادلة الديمقراطية والحريات الفردية وحقوق الإنسان.
فالجميع إذن يشكو ويبكي على أطلال اتحاد مغاربي أُجهض قبل أن يرى النور، اتحاد كان من شأنه أن يزيل الحدود وأن يوّحد الشعوب ويقوي الصفوف اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.
إلى متى يبقى اتحاد المغرب العربي جسدا بلا روح؟ وإلى متى يبقى بعض قادة المنطقة يقللون من أهمية واستراتيجية وحدتهم وتضامنهم في وقت يرى فيه العالم أكبر وأعظم دوله تتحالف وتتكتل لتواجه تحديات العصر.
فضّلت دول الاتحاد المغاربي العمل الأحادي والذي تجسد في اتفاقيات ثنائية مع الاتحاد الأوروبي ودول أخرى على حساب العمل المشترك في التصدي للتكتلات والاتحادات المختلفة.كما تبقى مشكلة الصحراء الغربية مشكلة المشاكل بالنسبة للاتحاد، والتي ساهمت إلى حد بعيد في شل الاتحاد منذ بروزها في منتصف السبعينات.
إلى متى تبقى دول المنطقة مشتتة ومتجاهلة للعمل المشترك الذي من شأنه أن يوّحد الصفوف ويساهم في ترشيد استغلال الطاقات والإمكانيات والسياسات خدمة لشعوب ودول المنطقة؟ إلى متى يبقى العمل العربي المشترك حبرا على ورق وإلى متى تبقى المنظمات العربية الإقليمية والجهوية مجرد صالونات للمؤتمرات والدورات والتشريفات.
يبدو أن رياح التغيير ستأتي من الجماهيرية الليبية هذه المرة، وما دام أن هناك إجماعا بعدم مناقشة قضية الصحراء في اجتماعات الاتحاد فأمر تفعيل وبعث الروح في الاتحاد واستدراك ما ضاع خلال أكثر من ربع قرن وارد جدا.
كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة
