صدر عن منشورات الجمل بألمانيا كتاب «الليبراليون الجُدد، جدل فكري»، ورغم أن الكتاب يحمل اسم «شاكر النابلسي» إلا أنه في مجمله عبارة عن مجموعة من المقالات المنشورة لعدد من دعاة الليبرالية الجديدة، إضافة إلى مجموعة أخرى من الكتاب المناوئين لهم. وتنبع أهمية هذا الكتاب في أنه يعرض بوضوح للمبادئ والنوايا والاتجاهات الخاصة بالليبرالية الجديدة في عالمنا العربي.

فالكتاب يمثل من وجهة نظر مؤلفه، ومن وجهة نظر المشاركين فيه، إعلان الولادة الأولى لمبادئ الليبرالية الجديدة في العالم العربي. لذلك يمكن القول بأن أي محاولة للوقوف على هذه المبادئ وتناولها بالنقد والتحليل، لابد وأن تنطلق من مقالات هذا الكتاب، سواء المؤيدة لأفكار الليبرالية الجديدة أو المعارضة لها.

لا تقف المسألة فقط عند قراءة المعلن عنه من أفكار الليبرالية الجديدة، لكنها تتجاوز ذلك إلى محاولة الوقوف على المسكوت عنه من هذه الأفكار، فلكل بيان جوانبه المعلنة، وجوانبه الأخرى الخفية المتروكة لفطنة القارئ وقدرته على الإمساك بها، والإعلان عنها.

رغم استخدام الكتاب لعنوان فرعي له يتمثل في الكلمتين «جدل فكري»، إلا أن الكتاب يجذبنا بقوة، ومنذ أولى صفحاته نحو السياسي والأيديولوجي. فنحن لا نقف أمام تحليل فكري هادئ ورصين، يستكشف البنية العربية في طبيعتها وملابساتها وشروطها التاريخية المجتمعية بما يؤدي في النهاية إلى تطويرها وتغييرها، بقدر ما نقف أمام بيان سياسي يرتبط بحزب متصلب ومتسلط في الوقت نفسه.

لذلك فإن الكتاب لا يشتمل على بنية فكرية واضحة ومترابطة قدر ما يشتمل على مجموعة من الدفقات الشعورية والانفعالية التي كثيرا ما جاءت مفككة ومتناقضة ومتعارضة.

يحدد الكتاب تاريخ الحادي عشر من سبتمبر 2001 بوصفه النقطة الفاصلة في التاريخ المعاصر، ويتفق ذلك مع غياب التحليل التاريخي لدعاة الليبرالية الجديدة. فالتاريخ يبدأ مع كارثة سبتمبر 2001، ويستمر مع الاحتلال الأميركي للعراق، مع ما يرتبط بذلك من دعوات الإصلاح السياسي ومشروع الشرق الأوسط الكبير.

التاريخ هنا لا يمثل عملية مجتمعية متواصلة ومتراكمة وجدلية، قدر ما يمثل تلك الأحداث التي يرى من خلالها الليبراليون الجدد تحولات العالم العربي المختلفة، وهى أحداث ليس للعرب ناقة فيها ولا جمل، أحداث يصنعها الآخرون لهم ويفرضونها عليهم.

ولأن التاريخ يبدو هنا من صنع الليبراليين أنفسهم، فإن كل التيارات الفكرية الأخرى، إسلامية أو قومية أو شيوعية أو ناصرية، تصبح خارج التاريخ، حيث يحل الليبراليون الجدد فوق الجميع، بوصفهم ملاك التاريخ، وصانعي الحقائق المطلقة والصحيحة.

لذلك تؤكد مقدمة الكتاب بغطرسة البيانات السياسية، وتبجح الولاءات الأيديولوجية أنه إذا كان «غالبية المثقفين العرب وخاصة رجال الإعلام العربي مازالوا يبكون ويتباكون ويأملون في عودة الأنظمة الديكتاتورية (صدام وعرفات مثالا لا حصرا) فإن الليبراليين الجدد قد وقفوا ضد هذه التيارات وضد جماهيرية هذه التيارات».

هكذا، وبينما يدين الليبراليون الجدد كل التيارات والحركات الفكرية والسياسية الأخرى بوصفهم عملاء للأنظمة العربية ومؤيدين للديكتاتوريات العربية، فإنهم ينزهون أنفسهم عن هذا السلوك المشين، ويبرزون حركتهم بوصفها كيانا مثاليا يعلو على أهواء السياسة وإغراءات السلطة، ويرفضون اتهامهم من قبل هذه الاتجاهات بالعمالة للغرب، والعمل من أجل توطيد أركانه في المنطقة العربية.

ولأن الليبرالية الجديدة ليست حركة فكرية حقيقية يمكن إدراجها ضمن مدارس الفكر التنويري الحقيقي بقدر ما يمكن إدراجها ضمن الحركات والتنظيمات والأحزاب السياسية المختلفة، فإنها لا تمنحنا رحابة الفكر وأبعاده الجدلية المختلفة.

كما يبين العنوان الفرعي للكتاب. لذلك فإنها ينطبق عليها العيوب نفسها المرتبطة بالحركات والتنظيمات والأحزاب السياسية المختلفة في العالم العربي، من حيث تسفيه الآخرين والتقليل من شأنهم، والهيمنة والاستبداد وتوريث السلطة الجمهورية، والإدعاءات المتواصلة بالنقاء والزهد والعمل من أجل إعلان راية الحرية والمساواة بين المواطنين.

من وجهة نظر الليبرالية الجديدة، تصبح كل الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية الأخرى مجرد أبواق للسلطة في العالم العربي، كما تصبح في الوقت نفسه من أكثر عوامل تدعيم الإرهاب والأصولية الدينية في المنطقة.

هكذا ينقسم العالم العربي، بجرة قلم، إلى جماعة ليبرالية مستنيرة قادرة على قيادة العالم العربي نحو الأفضل من ناحية، وإلى جماعة تشمل كل الفصائل الفكرية والسياسية الأخرى إضافة إلى الجماهير العربية غير الواعية التي يجب أن تسلم لقيادة الليبرالية الجديدة وأطرها المطروحة على الساحة من ناحية أخرى.

حينما يغيب التاريخ من ناحية، وتهيمن الشعارات والإدعاءات من ناحية أخرى، يمكن لليبراليين الجدد أن يقفزوا بنا من مفهوم لآخر، ومن تحليل لآخر بدون رابط حقيقي يجمع فيما بينهم، وبدون ناظم موضوعي يساعد القارئ على الإمساك بطبيعة الواقع الاجتماعي وتحولاته المختلفة.

فحينما يؤكد النابلسي من خلال مقدمة الكتاب على ارتكاز مشروع الليبرالية الجديدة على الثورة الثقافية التي لن يتم بدونها تحقيق أي إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، لا يبين لنا ماهية هذه الثورة الثقافية، إلا من خلال الإشارة إلى إصلاح التعليم الديني الظلامي. لكننا من خلال السياقات الأخرى نعلم أن الثورة الثقافية ما هي إلا العمل على نشر الحداثة الغربية في المجتمعات العربية.

وبعيدا عن الدخول في الجدل العقيم حول طبيعة الحداثة الغربية ومدى جدارتها لتكون هي المثال الوحيد القابل للتطبيق على كل المجتمعات والثقافات الإنسانية الأخرى ،يجب التذكير هنا بأن لكل مجتمع تجاربه الخاصة المحددة ضمن صيرورته التاريخية الخاصة به. فالقفز فوق التاريخ، والحض على تطبيق تجارب الآخرين، بدون الوعي بالفوارق المختلفة بين الشعوب، مسألة تضر أكثر مما تفيد.

ولعل فيما آلت إليه تجربة النهضة الأولى في العالم العربي في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ما يمنحنا مثالا ناصعا على ضرورة ارتباط الحركات الفكرية بالواقع الاجتماعي الذي تنطلق منه، مع مشروعية تفاعلها مع أفكار وتجارب مجتمعات إنسانية أخرى.

يمنحنا بيان الليبراليين الجدد حالة من التفاؤل اللغوي بعيدا عن تعقيدات الواقع وفهمه الحقيقي. فحينما يؤكد هذا البيان على ضرورة تحرر المجتمع العربي من الارتهان للماضي إلى الرهان على المستقبل، لا نجد آليات واضحة لهذا التحرر سوى الاعتماد على القيم الكونية النابعة من العصر الذي نعيش فيه، بدون تحديد لماهية هذه القيم الكونية وطبيعتها، ومدى ملاءمتها للمجتمعات العربية المعاصرة.

ان أخطر ما ينطوي عليه بيان الليبراليين الجدد أنه يستند في مرجعية مبادئه وأفكاره إلى الأفكار والمبادئ والطروحات الغربية، بدون أن يطرح أي أفكار تستند في بعض جوانبها إلى الواقع العربي المعاصر، وتجلياته التاريخية المختلفة، وإلى طبيعة المشكلات والتحديات التي تواجهه. وإذا كان ما سبق يمثل المرتكزات الأساسية من بيان الليبرالية الجديدة في تعاملها مع العالم العربي، فإن تفصيلات البيان الواردة في الكتاب تحمل توجهات خطرة تجاه المنطقة والبشر والحضارة والتاريخ.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com