آخر المتداول أن الحوار الفلسطيني تحوّل إلى «حرب صياغات»! طال أمده وشطحت جلساته، لأن «الكلمة الواحدة»، في صياغة الاتفاق الموعود المتعثرة ولادته؛ تأخذ من الجدل ساعات وأياما.

«ست مفردات» فقط لا تزال، منذ مطلع الأسبوع، موضع خلاف. كل طرف يريدها بصياغة تخدم موقفه وطرحه. عقدة النص، لهذه الكلمات، حبست التوافق منعته ولا تزال، من أن يبصر النور. والباب مفتوح، على ما يبدو، للمزيد من التأجيل، والشعب الفلسطيني في الانتظار... على نار.

الجدل والشد والجذب، أمور مفهومة في أي حوار. كل جانب يجهد ويعمل على حبكه بالطريقة والتعابير والشروط، التي تخدم رؤيته ومصالحه. هذا مقبول ومشروع، لكن ضمن حدود. وخاصة إذا كانت الظروف غير اعتيادية، كالتي يعيشها الوضع الفلسطيني في هذه الفترة وعند هذا المفصل البالغ الدقة والخطورة.

فالمحاور الفلسطيني لا يملك ـ وبالتحديد عندما يكون حواره فلسطينيا داخليا ـ ترف المناورة في حدودها القصوى. ولا ترف المساومة والشطارة لترجيح كفته؛ بهذا القدر أو ذاك. فهو الآن مستهدف، كشعب وقضية ودولة موعودة؛ كما لم يسبق من قبل، أكثر من حرب معلنة عليه.

حرب الحصار والتجويع، حرب الاغتيالات والقتل اليومي، الذي يمارسه الاحتلال الاسرائيلي وبالذات ضد المدنيين. وكذلك حرب التصفية والحل الأحادي الزاحف عليه.

مع ذلك وفيما المطلوب معروف والمتاح واضح؛ تبدو الأطراف الفلسطينية، المعنية وكأنها غارقة في لعبة أرباح وخسائر. أو في دوامة لعبة العضّ على أصابع بعضها البعض.

«حرب صياغات» فلسطينية، في ظل حروب كسر عظم ضد القضية وأصحابها؛ أمر غير جائز. حالة شبيهة بالتواطؤ غير المباشر على الذات، والمفجع أن كافة القوى الفلسطينية تعرف تمام المعرفة أن الاحتلال هو الرابح الوحيد من التباطؤ في الحوار والوصول به إلى حيث ان يصل. وتدرك تماماً أيضاً أن لهذا التباطؤ أخطارا ومحاذير جمة قاتلة. ليس أقلها ارتفاع منسوب الاحتقان؛ المحكوم بالانفجار في الشارع.

الأيام والأسابيع القليلة المقبلة؛ شاهدة على هذا المآل الخطير. اللحظة الراهنة أولويتها صريحة لا لبس فيها. التجارب الفلسطينية وشراسة الهجمة الراهنة؛ تؤكد وجوب تجاوز التناقضات السياسية الأساسية؛ لبناء الوحدة الوطنية؛ التي تمثل الشرط الذي لا غنى عنه، في عملية مواجهة الاستحقاقات الكبيرة والتحديات المفروضة. وإذا كانت الصورة واضحة معالمها ومتطلباتها، فلا عذر لعدم الاستجابة لمقتضياتها.

تأخير هذه الاستجابة من خلال جرجرة الحوار وتركه أسير العقد اللفظية ـ على أهميتها ـ يبعث برسائل شديدة السلبية وبالتالي الأذى؛ إلى إسرائيل كما إلى العالم. خاصة وأن التشبث وعدم التزحزح وما أدى إليه ذلك من التراشق بالاتهامات بين «فتح» و«حماس»؛ كله يأتي على خلفية التوتر الميداني الذي ساد علاقتهما، في الآونة الأخيرة.

لقد حان وقت وضع حد لماراثون الحوار. وحده تقديم وتغليب أولوية الوقوف صفاً واحداً بوجه الخطر الإسرائيلي الداهم، على الصراعات والمكاسب السياسية الآنية؛ يوفر السبيل للتوافق. وإلا فلن يبقى للفلسطينيين ما يتصارعون عليه لاحقاً.