كان من الطبيعي أن تغير عملية قتل عائلة فلسطينية بأفرادها السبعة على شاطئ غزة قواعد اللعبة السياسية باتجاه إعلان وقف الهدنة غير الرسمية المعلنة بين الفصائل الفلسطينية والكيان الصهيوني وتصعيد الكفاح المسلح من الجانب الفلسطيني رداً على هذا النوع من المجازر، الذي إن دلَّ على شيء إنما يدل على أن ما يدفع قادة الدولة العبرية إلى ضرب الفلسطينيين لا يمت بأي صلة بأهداف ذات طابع سياسي أو عسكري.
بل حقد توراتي أعمى مشبع بالمشاهد الدامية المستقاة من كتبهم «المقدسة»، لكن كان من الطبيعي أيضاً أن تشكل هذه الجريمة وأخواتها دافعاً قوياً لأن تقف قيادة حركة فتح وقفة تاريخية مسؤولة أمام ما هو مطلوب منها ومن باقي الفصائل الفلسطينية من مسؤوليات وطنية على قدر كبير من الخطورة تتعلق في المقام الأول بما يجري على الساحة الفلسطينية الداخلية من عمليات قتل واختطاف ومداهمة جاءت جميعها في سياق التصعيد السياسي من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما قرر إجراء استفتاء على وثيقة الأسرى.
و لا حاجة لكثير عناء لكي يتبين أن أي محاولة لتقويض شرعية الحكومة الفلسطينية الحالية إنما هي مساهمة في الجهود المحمومة التي تبذلها الدولة العبرية والولايات المتحدة لإظهار الفلسطينيين على أنهم ليسوا جديرين بالإمساك بزمام أمورهم، حتى لو جاءت تلك المحاولة من جانب بعض الأطراف الفلسطينية.
التي تعتقد واهمة بأن تحالفها مع إسرائيل والولايات المتحدة سيوصلها إلى بر الأمان، ولا ندري إن كانت هي غافلة أم متغافلة عن أن كل ما تتلقاه من دعم، سواء كان ذلك أموالاً أم سلاحاً، ليس المراد منه سوى تعميق هوة الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية على أمل الوصول بالساحة الفلسطينية إلى حرب أهلية طاحنة تأتي على الأخضر واليابس على حد سواء.
إذا كانت وثيقة الأسرى قد خرجت من غياهب سجون الاحتلال بهدف تحفيز الحوار الوطني الفلسطيني، فإن أي محاولة للخروج بهذه الوثيقة من دائرة الحوار إنما ينسف الوثيقة ذاتها، ذلك أنها لم تطرح لتشكل سيفاً يسلطه هذا الطرف أو ذاك على رقاب الآخرين.
بل طرحت لتجسر الهوة القائمة بين بعض الأطراف الفلسطينية وليس لتعميق تلك الهوة، لا بل لا بد أن يكون معلوماً لدى الجميع أن تلك الوثيقة ليست مقدمة ولا هي نهاية المطاف حتى لدى واضعيها، وبالتالي فإن الهدف منها هو تهيئة الظروف المناسبة لخلق حالة من الوحدة الوطنية الفلسطينية قادرة على صد الهجمات المعادية الآتية من الصديق قبل العدو.
وإذا كانت بعض البنود الواردة في وثيقة الأسرى قد تعاملت بصورة إيجابية مع الحال القائم على قيام دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، فإنها تعاملت مع ذلك على أساس افتراض أن هناك طرفاً آخر يمكن التفاوض معه ويقر من جانبه بوجود طرف آخر هو الطرف الفلسطيني، لكن ما يجري على الأرض وما يعلنه قادة الدولة العبرية جهاراً واضح لا لبس فيه وهو يقول بكل صراحة إنه ليس هناك شريك على الجانب الفلسطيني.
وبالتالي لا بد من التصرف بطريقة ما ولقد أفصح قادة ذلك الكيان المارق عن نياتهم الشريرة في غير محفل وقالوا إنهم ماضون قدماً بحلهم أحادي الجانب القائم على عملية الفصل العنصري الجارية فصولها على قدم وساق والتي شارفت على الانتهاء وحظيت بكل ما يلزمها من دعم على الصعيد الدولي.
من الواضح جداً أن بيئة النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي غير مهيأة للحديث عن أي حل سياسي يستدعي مسائل مثل الاعتراف المتبادل والتخلي عن استخدام القوة ومن غير المنطقي الطلب من الطرف الضعيف في هذه المعادلة السياسية الصعبة أن يعترف بالطرف القوي ويتنازل عن استخدام العنف.
في حين يتشبث الطرف القوي المدعوم من كل شياطين الأرض بمواقفه الرافضة لفكرة وجود طرف آخر أصلاً ولا يتوانى عن التفنن بأساليب القتل ضد شعب أعزل بات بلا حول ولا قوة بعد أن تخلى عنه الجميع وبقي وحيداً في مواجهة أعتى آلة عسكرية في الدنيا.