في عتمة صباحات هذه الأيام الأميركية الريفية، أشاهد شاحنات العمال المكسيكيين المحملة تسرع بجانب بيتي في المزرعة نحو الجانب الغربي من وادي سان جواكوين في كاليفورنيا للقيام بالعمل المعتاد الذي يقصم الظهر وهو إزالة الأعشاب عن القطن وتقليم أشجار الفاكهة وقطف الفراولة.

وفي الناحية الأخرى يأتي طاقم الصباح إلى المدينة- يتوجه القائمون على بناء أسقف المنازل ووضع طبقات الاسمنت والمزارعين المفعمين بالنشاط إلى أرض الإسكان الجديدة المجاروة. بينما لا يزال معظمنا غارقين في النوم، يستيقظ الآلاف من هؤلاء الشباب والشابات المجتهدين في الجنوب الغربي من أميركا في ساعات الفجر الأولى لتوفير العمل بذلك النوع من الأجور الذي يصر أرباب عملهم على عدم وجوده بين الأميركيين.

ولكن عندما يظن المرء بأن الهجرة غير القانونية هي طريقة فعالة ومجدية للطرفين من شأنها تزويد الشركات المحتاجة بالأيدي العاملة الممتازة، فإن هنالك أيضاً تحذيرات يومية بأن هناك خطبا ما في نظام يقوم على الانتهاك الساخر للقانون.

قبل ثلاثة أيام، وبينما كنت أشاهد القافلة الصباحية اليومية أثناء مرورها، سمعت دوي انفجار رهيب.ففي مكان على مقربة من منزلي، عبرت إحدى هذه الشاحنات الخط الأبيض في منتصف الطريق واصطدمت بشاحنة بيك أب من الأمام.

ربما كان إطار السيارة مثقوباً. أو ربما كان السائق ثملاً. أو ربما لم تكن لديه خبرة في قيادة شاحنة صغيرة محملة بسرعة كبيرة في عتمة الصباح الباكر.

لن نعرف السبب مطلقاً على الأرجح، فقد فر السائق هارباً من مكان الحادث. وهذا يحدث عادة عندما يكون المهاجر غير الشرعي الذي نجا من الحادث ليس لديه تأمين أو لا يمتلك رخصة قيادة. ولكنه خلف وراءه ثلاثة ركاب قتلى.

كما أنه جرح ثمانية أشخاص آخرين. وكلا السيارتين أتلفتا بشكل كامل. وتم تحويل حركة المرور حول الحطام طوال ساعات. واصطفت سيارات الإسعاف والإطفاء والشرطة على التقاطع المجاور. ذلك الحادث وحده كان كفيلا بنقل معاناة العشرات من أفراد العائلات، إضافة إلى أنه كلف الدولة آلاف الدولارات.

إن مثل هذا الحادث لم يعد حادثاً نادر الوقوع. فقد اصطدمت أربع سيارات بمبنانا الذي يقع بجانب الطريق، وولى السائقون هاربين، مخلفين وراءهم نباتات وأشجارا تالفة، وسيارات محطمة مع رخص قيادة مزورة وبلا تأمين. وقد تعرضت لصدمة قوية من قبل سائق لا يحمل وثائق، تجاوز الإشارة الحمراء ومن ثم حاول الفرار من تصادمنا.

هذه هي الأعراض المحتومة التي لا تذكر عادة للهجرة غير القانونية. وفي نهاية المطاف، يحدث غير المتوقع غالباً عندما يفد عشرات الآلاف من الذكور الشباب من المكسيك إلى دولة غريبة ـ غالباً لوحدهم ـ من دون معرفة باللغة الانجليزية أو بلا أوراق ثبوتية، فستون بالمائة منهم تقريباً لا يحملون شهادة الثانوية العامة ومعظمهم مجبرون على إرسال نصف الرواتب التي حصلوا عليها بشق الأنفس إلى أقربائهم في المكسيك.

الكثير من الأميركيين ـ ربما انطلاقاً من الشعور بالتعاطف مع المهاجرين الذين يكدون مقابل القليل ـ يدعمون النظام الحالي الصريح فيما يتعلق بالحدود المفتوحة. بيد أنني لا أجد فيه ما هو ليبرالي.

قد يظهر اليمين المؤيد لمبادئ الحرية في العمل الحاجة للعمالة الرخيصة على أنه رغبة في الحفاظ على القدرة التنافسية عالمياً. ولكن لا أحد باستطاعته إخفاء النزعة الساخرة بشأن الهجرة غير القانونية، والتي تعمل على دعم حكومة مكسيكية فاسدة، وتقلل من أجور الفقراء الأميركيين وتوجد تفرقة عنصرية جديدة ضد الملايين من الأجانب بين ظهرانينا.

لقد دخلنا إلى عالم هجرة جديد من دون سابقة. فهذه الأزمة الحالية تختلف عن موجات الهجرة الكبيرة في القرن التاسع عشر والتي جلبت الآلاف من الايرلنديين ومن شرق أوروبا وآسيا إلى الولايات المتحدة.

فمعظم المهاجرين في الماضي دخلوا بصورة قانونية. وقلة منهم بإمكانهم العودة بسهولة عبر المحيط إلى أوطانهم. والقادمون من أيرلندا أو الصين ليس في وسعهم استيعاب الخرافة التي تقول بأن حدودنا مرت بهم بدلاً من العكس.

واليوم، فإن ثلث الأجانب تقريباً الذين ولدوا في بلدان أجنبية يقيمون في الولايات المتحدة بصورة غير قانونية، وهم يشكلون أكثر من 3 إلى 4 في المئة من سكان أميركا. وتفيد التقديرات بأن الولايات المتحدة تضم 11 أو 12 مليون أجنبي يقيمون بصورة غير قانونية، والذين تؤكد أرقامهم المتجددة باستمرار بأنه ثمة دائماً أشخاص يفدون بشكل غير قانوني.و في الواقع، فإن عشر سكان المكسيك تقريباً يعيشون هنا بشكل غير قانوني.

ولكن المشكلة الحقيقية هي أننا- المضيفون- نختلف أيضاً عن أسلافنا. فاليوم نسأل القليل جداً عن العدد الكبير من المهاجرين لدينا. في الظاهر أننا لا نهتم فيما إذا كانوا قد دخلوا بصورة قانونية أو أنهم يتعلمون الانجليزية ـ أو كيف يتدبرون أمرهم عندما لا يعملون. ونحن لا نطلب منهم كلهم قبول المقايضة الوحشية لبوتقة الانصهار الأميركية التي تستوعب بسرعة ثقافة المهاجر في مقابل مزايا المواطنة.

وبدلاً من ذلك، نحن سعداء بما فيه الكفاية لحقيقة أن أغلب شاحنات العمال التي تحمل الغلمان المجتهدين تقف في الشارع في ساعات الصباح الأولى، بمنأى عن الأنظار والعقول. ومع ذلك، فإنها بصورة مأساوية لا تفعل ذلك في بعض الأحيان.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص ل«البيان»: