تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ من أقطار العالم العربي والإسلامي تجرى على قدم وساق من آخر حدود الوطن العربي على المحيط الأطلسي إلى آخر حدود الأمة الإسلامية على المحيط الهادي، من العراق في المشرق العربي إلى الصحراء الغربية في المغرب العربي، ومن تيمور الإندونيسية في آسيا حيث أكبر الدول الإسلامية سكانا إلى دارفور السودانية في إفريقيا حيث أكبر الدول العربية أرضا.
والمطلوب هو عدم ترك المجال لبقاء أو لنمو أية قوة إقليمية عربية أو إسلامية، ولهذا تتجه محاولات الإنهاك الاقتصادي، والحصار السياسي، وإثارة الفتن والاضطرابات العرقية والدينية والسياسية إلى الدول الكبيرة مساحة أو سكانا أو وزنا استراتيجيا والدول الصغيرة التي لا تقبل الخضوع لسياسات الهيمنة، تحت دعاوى مختلفة وشعارات براقة تخفى وراءها أجندات تستهدف في النهاية الإضعاف بالإنهاك أو بالتقسيم .
وعلى الأرض السودانية كنموذج لهذه المؤامرات العديد من المشاهد على مدى نصف القرن الأخير منذ استقلاله عن مصر عام 56 وحتى اليوم من جنوبه إلى شماله ومن غربه إلى شرقه تشير كلها إلى استمرار مسلسلات التمرد الساعية إلى الانفصال.
وذلك عبر سلسلة من الحروب الأهلية المدعومة غربيا من خلال أطراف إقليمية، التي ما إن تطفأ نيران واحدة في الجنوب بمعاهدة في «نيفاشا» حتى تندلع في الغرب، وما أن تلوح في الأفق نهاية لها في «أبوجا» حتى تتأهب للتفجر في الشرق في الطريق إلى «أسمرة» للبحث عن حل .
وقبل أيام حدث اختراق لافت للنظر ويبدو إيجابيا في قضية التمرد الحالي في شرق السودان الهادئ نسبيا عما حدث ويحدث في غربه (دارفور) بالزيارة التي قام الرئيس الاريتري «اسياسي أفورقى» إلى الخرطوم بعد طول قطيعة ومجابهة، وهو الذي تستضيف عاصمة بلاده قيادات «مؤتمر البجة» التى تقود التمرد في الشرق، وذلك للتباحث مع الرئيس السوداني عمر البشير حول تحسين العلاقات التي اتسمت بالتوتر بين العاصمتين .
ويرى المراقبون أن مؤتمر قمة «تجمع الساحل والصحراء» قد لعب دورا إيجابيا مؤثرا لفصل الأطراف الإقليمية عن النزاعات وحركات التمرد في السودان وذلك بعقد مصالحات على هامش المؤتمر، تشادية سودانية للإسهام في حل مشكلة التمرد في الغرب، وأريترية سودانية لحل مشكلة التمرد في الشرق.
وتأتى الزيارة الأريترية عقب قمة هذا المؤتمر الذي عقد مؤخرا في العاصمة الليبية طرابلس برئاسة الزعيم الليبي معمر القذافي والذي كان يضم 22 دولة إفريقية متجاورة من بينها السودان وأريتريا ومن بينها دول المغرب العربي ونيجيريا أكبر الدول الإفريقية سكانا قبل انضمام مصر أكبر الدول العربية سكانا أخيرا لتصبح العضو الثالث والعشرين.
ووفقا لنتائج زيارة أفورقى الهامة للسودان رعت اريتريا في أسمرة مؤتمرا للمصالحة بين الحكومة السودانية وبين مؤتمر البجة أسفر عن التوصل إلى اتفاق يضع أساس حل عادل لإنهاء التمرد في الشرق، على غرار المؤتمر الذي رعته نيجيريا فى أبوجا برعاية الرئيس أوباسانجو لحل مشكلة التمرد في الغرب.
إن الاستهداف الدولي الموحد لنشر «الفوضى البناءة» في الدول العربية والإسلامية والإفريقية والذي تلعب الأدوار الرئيسية فيه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وبعض الدول الغربية والتي تستهدف تقسيم المقسم وتجزيء وحدة هذه الدول بهدف إضعافها وإخضاع إرادتها وفقا لسياساتها الهادفة إلى فرض الهيمنة السياسية عليها عن طريق إثارة النزاعات والفتن الداخلية بين أبناء الوطن الواحد لتبرير التدخلات الأجنبية العسكرية لابد أن يقف في مواجهته رد موحد يوحد المقسم ويجمع المجزأ.
ومن هنا.. ولأن المؤامرة واحدة ومشاهدها متشابهة بين ما جرى ويجري في أتشيه وتيمور في إندونيسيا أكبر الشعوب الإسلامية، وما جرى ويجري في كردفان ودارفور في السودان أكبر الأراضي العربية في الاتحاد الإفريقي.
فإن المواجهة العملية والصحيحة لإحباط مؤامرات التقسيم هو تعزيز التضامن العربي الإسلامي وفى خط موازٍ تعميق التضامن العربي الإفريقي، والأكثر ضرورة السعي لتعميق التكامل العربي - العربي في اتجاه الاتحاد العربي بعدما تحيط بنا كعرب خرائط اتحادية ملونة جديدة للعالم بأعلام زرقاء للاتحاد الأوروبي، ورايات خضراء للاتحاد الإفريقي .