ليس من شك أن لغتنا العربية تشكو الإهمال المجحف هذه الأيام، ويزداد انصراف أبنائها عنها على مختلف المستويات، وليس من شك أيضاً في أن الجهود التي تبذل في سبيل بقائها حية في الاستعمال.
ولاسيما في أمور الإدارة والمال ومختلف شؤون الحياة، تظل ضئيلة إذا ما قورنت بما تبذله الأمم الأخرى في سبيل نشر لغاتها؛ إذ يكثر في أيامنا هذه الحديث عن قيمة اللغات الأجنبية الحية في اكتساب المرء الأداة الرئيسية في اقتحام سوق العمل، وربما ليس من المهم، في نظر بعض الناس،أن تمتلك مهارات كبيرة في اللغة الأم ما دام الموظف في سوق العمل لا يحتاج إليها في تحقيق معايير الجودة.
ومن الطبيعي ألا نقر من يذهبون هذا المذهب وقد سبق أن بينا من خلال الملاحظات العلمية والإحصائية أن هذا الكلام واه لا يسنده الدليل والواقع، إلى جانب ما يتصل بذلك من أبعاد حضارية وثقافية تتصل بالمعتقد والهوية والجغرافيا والتاريخ، تجعل كل الكلام عن سوق العمل وفرص العمل والتعامل مع العالم الواسع يتضاءل أمام الهوية والشخصية الوطنية والقومية والمبتدأ والمصير.
ان ما أود الحديث عنه في هذا المقال هو كيف نقدم لغتنا للناشئة و المتعلمين من أبناء العربية، أو من الأجانب الذين يسعون للتعامل معنا في سوق العمل أو خارج سوق العمل؟
وكيف يقدم الآخرون لغاتهم وأي جهد يبذلون في سبيلها؟ وأية روحية يحملون وهم يقومون بمهمة نبيلة أبعد من الراتب والوظيفة والدخل ومستوى المعيشة؟ وأي المناهج وأساليب التعليم يطبقون وهم يقدمون لغاتهم على مستوى جميع الأصعدة وفي كل الاتجاهات؟
وحسبي أن أتطرق إلى أمرين اثنين فقط في هذا المقام هما الطريقة والمحتوى، والطريقة والمحتوى هما اللذان يحددان ليس فقط نجاح أي مشروع قومي لتعليم اللغات، ولكنهما ينبئان عن جدية القائمين على العملية التعليمية وإخلاصهم ومعرفتهم في أي الطرق يسيرون.
وهذا ما يؤكد بكل دقة سلامة التخطيط ودقة التنفيذ معاً، لتكون النتائج المتوقعة ملبية للحاجات، ولتكون النواتج التعليمية منسجمة مع الاستراتيجيات العلمية والسياسة التي تقف وراء كل عمل مثابر ناجح.
أما على صعيد الطريقة فليس بخاف على أحد أن واضع المنهاج يعرف أن متعلم اللغة عليه أن يجعل النواتج مترابطة لا يخل التعليم بأي شرط من شروطها.
فليس الهدف تعليم القراءة دون إجادة الكتابة وليس الهدف من تعليم اللغة الاكتفاء بالقراءة والكتابة من دون أن تتحقق المواقف المهمة النفسية والاجتماعية والمهنية من وراء تعليم اللغة، وهي الاستماع المستوعب بما يحقق من نواتج أساسية، والتحدث بطلاقة في المواقف المختلفة التي تحقق الصورة المكتملة للشخصية المنسجمة السوية الواثقة التي تلمح إلى مخزون من القيم أكثر مما تصرح.
وإقامة هذه الصلة بين هذه المهارات الأربع في انسجام يحدد الرؤية التي توجه عملية تعليم اللغة برمتها، فثمة منظومة فكرية تقف وراء عملية التعليم تحدد كل صغيرة وكبيرة، وتجعل المنظومة التعليمية للغة مرتبطة بكل دقائقها وضوابطها بمشروع له إطار تنظيمي بُذل من أجل إنجازه عمل عظيم بعيد عن الارتجال والعشوائية والمزاجية.
فثمة استراتيجيات لكل مهارة مطلوبة تأخذ بيد المتعلم في كل خطوة تعلمه كيف يقرأ، وكيف يكتب، وكيف يستمع، وكيف يتحدث. وهي في ذلك كله تجمع بين الأبعاد المعرفية واللغوية والنفسية، وتجعل المواقف التعليمية مرتكزة على أسس شديدة البناء. فإذا أراد المتعلم أن يكتب شيئاً فعليه أن يضع بناء منطقياً سلساً يعوده أن يتعامل مع القضايا تعاملاً فكرياً واقعياً يربط بين المضمون والأهداف والقيم التربوية والأخلاقية والإنسانية.
وأما فيما يتصل بالمحتوى، فتعليم اللغة يتعامل مع الواقع، ذلك الواقع الذي يجعل تعليم اللغة مفيداً واقعياً ممتعاً، لا عبئاً على المتعلم يتمنى أن ينتهي درس اللغة حتى يفر منه فرار السليم من الأجرب، فالموقف اللغوي هو قطعة من الحياة وليس موقفاً مصنوعاً، أو عبارة مكرورة لا تحمل قيمة ولا هدفاً تربوياً ولا معرفة يغتني بها محصول المتعلم من المعرفة ويتسع بها أفقه على كل الأصعدة المختلفة؛ فالموقف اللغوي بناء متكامل يضيف إلى المعرفة ويعزز المهارة ويمتع ويحقق قيماً وأهدافاً تربوية.
بل يجعل الموقف اللغوي مبنياً على مفاهيم نفسية وتربوية ولغوية ينطلق منها المعلم والمتعلم. ويطول بنا الحديث في ضرب الأمثلة على جعل المتعلم في وضع تقبل نفسي للمادة التي يدرسها وللمعلومة التي يتفاعل معها.
وإذا عدنا إلى لغتنا المظلومة على أيدي أبنائها وجدنا أن تعليم اللغة العربية في الأغلب لا يتبع طريقاً واضحاً في النظرة إلى الطريقة أو المحتوى، فالأسلوب الغالب في تعليم اللغة يقوم على التلقين الأجوف، وتعليم التفريعات التي لا يستفيد منها المتعلم، وتقديم المادة في شكل معلومات صماء لا يتفاعل معها المتعلم ولا تتصل بمواقف تعليمية لغوية تربوية تستهدف نفسية المتعلم ومزاجه ورغبته، وإنما تجعله محاصراً بأساليب تقليدية.
فيظل معظم الحصة الدراسية يتململ برماً بما يلقى عليه لا يشارك فيما ينبغي أن يشارك فيه إلا نادراً. وأما المحتوى فغالباً ما يحوي أمثلة مصنوعة ولغة ليست من لغة العصر، ولا تتصل بقضايا ولا معلومات حديثة أو معاصرة تجعله يتفاعل معها، وربما تكون على العكس منفرة لا تخاطب فيه الذات أو القيمة أو الإنسان.
وربما لا تزال الجملة النابية هي التي تبدو محور العملية التعليمية في تدريس اللغة العربية. ولا أود الإشارة إلى معلم اللغة العربية وطريقة إعداده في المراحل الدراسية كلها من الروضة حتى الجامعة؛ فالعشوائية والارتجال غالباً هي الحاضرة فينا دائماً، وكم نأسى ونحزن حين نرى كيف يخدم الآخرون لغتهم بالعلم والخبرة والكد والإخلاص، ونحن نتغنى بحب اللغة وتقديرها وما تفعله أيدينا يكذب أقوالنا فمتى نخطو على الجادة ونكف عن الكذب؟