كانت قمة دول حلف الأطلسي، أو الأوروبية، هي من يقرر مصير العالم، إلى أن دخل الاتحاد السوفياتي طرفاً في معادلة القوة، فكان الصراع يجري على خطين متوازيين، سواء كانت القضايا الساخنة تتعلق بسباق التسلح، أو تقاسم النفوذ، وبعد غياب السوفيات، لم تعد أميركا وحلفاؤها، هم من يقررون اتجاهات العالم، لأن القوى نفسها والشعوب بدأت تتغير وتزيد من ثقافتها ومعرفتها..
في فيينا يجتمع الأوروبيون وأميركا، وتغلب على قمتهم قضايا داخلية عن سجن غوانتانامو، والسجون الطائرة، وقضية السلاح النووي الإيراني، ومع افتراض أن هناك تباينات في الآراء، إلا أنه لم يعد للقوة العظمى ما تفرضه بشكل مطلق، لأن الأوروبيين لهم مصالح خارجية، قد لا تصلح لها إدارة السياسة الأميركية، ثم كان بروز الصوت الآسيوي بقواه الناهضة، وإلى حد ما روسيا، والتي أدخلت حسابات جديدة على السياسة الدولية، وغيرت مسار القرارات في مجمل الأوضاع العالمية..
القضية الأهم أن تقود القوتان حواراً عالمياً يؤسس لعمل جدي يتقاسم مسؤولياته كل العالم، بدلاً من تغييب حضارات أو شعوب، أو تسعير العالم في انقسامات ثقافية وحضارية واعتداءات عسكرية، لأن الشعوب لم تعد تعيش في عزلة تفصلها الجغرافيا، أمام ثورة المعلومات وسهولة إيصالها إلى أي بقعة على الكرة الأرضية..
فالتبشير بأخلاقيات حقوق الإنسان، والحريات العامة، وعدم الاعتداء، نصوص غابت أو انتهت صلاحياتها أمام فقه القوة، وحركة الآليات العسكرية، تحت غطاء درء المخاطر، أو مكافحة الإرهاب، وإقرار الديموقراطيات عند الشعوب التي لم تمارس هذا الاتجاه لفرضها عنوة، بل إن مضاعفات الحروب اخترعت حروب الضعفاء بوسائل انطلقت إلى عمق القوى الكبرى، حتى إن المنتج الحضاري الذي جاء ليسرع بالتقدم البشري أعطى للإرهابيين، أو من يدافعون عن حقوقهم الوطنية، وصيانة عقائدهم وتراثهم نفس القوة، وطالما الشعارات تُرفع من قبل القوى الكبرى باجتثات الإرهاب، والرد يأتي بشعار آخر، باختراع صدمات مؤذية للقوة العظمى، أدى إلى اتساع الفجوات، وفقدان خلق أجواء سلمية من خلال إدراك خصوصيات الشعوب وثقافتها، هي ميزان التفوق على معتقدات التفوق العرقي، والاحتماء بكثافة النيران..
أوروبا أكثر عراقة في تاريخها، وأكثر واقعية مع مصالحها، وهي المعلم الأول لأميركا التي هي جزء من تراث القارة العجوز، أو العالم القديم، كما تسميه أميركا، لكنها القوة المضافة ومركز الثقل في العلاقات الدولية، ولذلك فقمة فيينا يجب أن لا تحصر نطاق حوارها على جزئيات صغيرة، وتنسى أن للعالم صوتاً يريد أن يرى عالماً جديداً بمظلة أكثر استقراراً وبناءً من تواريخ الحروب والنزاعات..