يكاد النزيف العربي، بروافده المتعددة والمتزايدة، أن يتحول إلى شلال دم هادر. الاستباحة الدموية المتفاقمة، في أكثر من ساحة تتسع مساحتها ويتعمق مداها.

منها المحلي الصنع ومنها الاحتلالي الفالتة عدوانيته من عقالها. تكاد المنطقة تتحول إلى مشهد غارق في الأحمر القاني. حتى الأطفال صاروا فريسة لآلة الموت المقيم؛ التي لا تتوقف عجلاتها في أكثر من جبهة وأكثر من بلد عربي. حصادها اليومي بالجملة، يكاد يتحول إلى تفصيل روتيني من مجريات الحياة العادية.

كومات الضحايا صار الحديث عنها خبراً عادياً. والجنازات، لمن يحظى برحمة الدفن، باتت مشهداً من الحركة الحياتية المألوفة من بغداد إلى غزة، إلى الصومال التي دخلت مؤخراً على خط الصراعات لإحياء الصوملة. وكأن قائمة الاشتباكات المحلية ـ الأهلية تشكو من نقص!

وما يستوقف أن هذا النزف المتواصل والمتزايد يحصل، في الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن توافقات وحوارات ووساطات؛ ناهيك بالمصالحات التي يجري الإعداد لها. فماذا عساه أن يكون عليه الحال لو كان حبل الحوار مقطوعاً والوساطات والمساعي مفقودة؟ إلا إذا كان ما يجري هو من نوع «حوار الطرشان».

والأفظع من ذلك أن من هذه الساحات من هو غارق في اشتباك مزدوج، الذاتي منه أشد إيلاماً وقسوة من الاحتلالي. المثال الساطع على هذا النوع يتجلى في الساحة الفلسطينية، العدو الإسرائيلي يتمادى في مطارداته واغتيالاته وتوسعاته؛ التي صارت ممارسة يومية وصلت إلى حد اغتيال الأطفال ـ ثلاثة في غزة أول من أمس ـ والمدنيين من دون تفريق.

وطبعاً، على جاري العادة، تتكرر جرائمه في ظل صمت وتجاهل كبيرين؛ دولياً وعربياً. في المقابل يتواصل الصراع الفلسطيني الداخلي ومناوراته ويتعثر الحوار بين أطرافه، فيما تتوالى لعبة العض على الأصابع والمناورات؛ التي سبق وأدت إلى احتقانات انتهت، كما هو محتوم أن تنتهي، باحتكاكات ومواجهات عسكرية.

ورغم ضغوط اللحظة ومتطلباتها لم تقو القوى المتحاورة بعد على التوصل إلى قواسم مشتركة، بالحد الأدنى، تكفل رأب الصدع وتعزيز تماسك الساحة؛ بحيث لا تتحول إلى لقمة سهلة إلى الهجمة التصفوية الإسرائيلية، الجارية والقادمة على المزيد من الحسم والشراسة.

كان من المتوقع أن يتم التوافق على ما يحقق هذا المطلوب؛ قبل يومين. ثم جرى تأجيله، على ما يقال، إلى آخر الأسبوع. وثمة تلميحات تشير إلى احتمال تمديده.

الأمر الذي يهدد بالعودة إلى المعزوفة ذاتها تشبث يؤدي إلى تجديد التوتر فتجديد المواجهات. وما يجري على الساحة العراقية شديد الشبه ولو أنه أكثر دموية وأعمق جرحاً: وفاق هش، مصالحة بين مؤجلة ومتعثرة؛ يواكبها تدهور أمني مخيف بات يحصد العشرات يومياً.

المنطقة منكوبة باحتلالات، لا ترحم. لكنها أيضاً منكوبة بمصائب جوانية ليست أقل قسوة وخطراً. وكأن دم الناس فيها صار بين المباح والمشاع. سيرة المجازر صارت عادية. ونبع النزيف لا يبدو أنه مرشح للجفاف في المدى المنظور. كل شيء يؤشر إلى أن مخزونه غزير وجرحه مفتوح وعلى الطبيب المحلي والعربي التحرك بعجلة لغلق الجرح قبل أن يفيض الدم ويغمر المكان.