يوصف الشخص الذي ينتقل من بلد متخلف إلى بلد اخر من بلاد العالم الأول بانه تعرض لصدمة حضارية، خاصة اذا فوجئ بالتقدم في كل شؤون الحياة، ورأى الآلات والتكنولوجيا تدير كل صغيرة وكبيرة، وأسرته سهولة انجاز المعاملات وتلك الابتسامات التي تعلو وجوه الموظفين، وأخذ بنظام المواصلات والاتصالات، وسهولة العيش، وذوبان الواحد في الكل والكل في الواحد.

كثيرون تاهوا وسط النقلة غير المتوقعة، خاصة من استمروا يقارنون ما بين المكان الذي جاءوا منه ومستقرهم الأخير، ومرضوا نتيجة لعدم استيعابهم للتغيرات التي حدثت لهم، ولهذا قررت بعض الدول.

ومنها بريطانيا ان تخفف نوعا ما من الصدمة الحضارية للاجئين إليها من الدول المتخلفة، ونظمت إقامة مراكز ثقافية ودينية لهم حتى يتواصلوا مع انتماءاتهم ومعتقداتهم، وحتى يوازنوا ما بين بيئتهم الجديدة والبيئة التي جاءوا منها للتخفيف من صدمتهم الحضارية.

مناسبة ذلك الحديث والمقدمة ما قرأته حول معاناة وزير التربية والتعليم الدكتور حنيف حسن مع وزارته بعد أربعة أشهر من استلامه لمهامه، والتي أجبرته على الخروج عن هدوئه المعهود ودبلوماسيته المعروفة عنه، فهي المرة الأولى التي نسمع فيها الدكتور حنيف يطلق تهديدا لكل قيادات الوزارة عندما خيرهم ما بين إصلاح الخلل الذي يكتشفه قطرة قطرة مع الأيام أو انتظار زلزال إداري منه.

الوزير قادم من جامعة زايد، قمة التقدم والتكنولوجيا، حيث«اللابتوب» يدير كل شؤون الطالبات والأساتذة والإدارة وقيادة الجامعة، و«الايميل» يقوم بمهام شؤون الموظفين وشؤون الطلبة ولوحات الإعلانات ومكبرات الصوت، فيه توزع النتائج وتبلغ الأوامر، وتحصى الدرجات، ويتواصل الأستاذ بالطالبة، وتسجل الإجازات، وتتواصل النقاشات، وتدار الأمور، وإلى أين؟

إلى وزارة لا يمكن أن تحسب على القرن العشرين وليس الحادي والعشرين، وزارة إذا لم يتفنن أي مسؤول فيها في إدخال معاملة مراجع إلى متاهة التعقيد والإذلال لا يعتبر نفسه مسؤولا، وزارة تعيش على إهدار الوقت والجهد والمال والكرامة، وتعشق صنع الأزمات والتعايش معها.

انها صدمة حضارية عكسية، دعاؤنا ان يخرج منها الوزير سالما، وهي أصعب من صدمات الذين ينتقلون من الأسوأ إلى الأحسن، فنحن أمام انتقال فجائي من الأحسن إلى الأسوأ، ونخاف على الدكتور من العيش في آتون نار المقارنة، فهي خطيرة جدا، فليس هناك ما يمكن ان يقارن ما بين جامعة زايد ووزارة التربية والتعليم.

ونخاف عليه أيضا من انتظار نتائج خياراته التي طرحها، فالنظام السائد في الوزارة لا يمكن أن ينصلح دون إحداث الزلزال الإداري الذي بشر به، لن يصلحه الكلام، ولن يصلحه الهز.

وليس يفيد فيه الأمل والرجاء، فالوزارة بحاجة إلى الارتقاء بها، وإداراتها مهيأة لصدمات حضارية بقوة «الف فولت» فأما ان تنتعش وتستوعب وأما أن تنتقل للعلاج عند الأطباء النفسانيين، واذا لم يتم ذلك قد تتحول المقارنة إلى يأس وتنتصر صدمة التخلف على صدمة التحضر.

myousef@albayan.ae