منذ انهيار المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق أواخر ثمانينات القرن الماضي، ظل العالم يشهد اختلالا مريعا في ميزان القوى السياسية والعسكرية لصالح قوة أحادية هي الولايات المتحدة.

إن مثل هذا الوضع الذي لم تعرفه التجربة الإنسانية منذ أن اهتدت إلى شكل الدولة والنظم السياسية الحديثة، أحدث هزة عنيفة في الأنساق السابقة التي اتفق عليها العالم، ومن ثم انفجرت الأوضاع في الكثير من بقاع الأرض التي وجدت صعوبة في التماهي مع متطلبات القطب الواحد.

ويكفي دليلا ما جرى في منطقة البلقان بعد زوال يوغسلافيا السابقة، هذا بالإضافة إلى التحولات الكبيرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط خاصة في العراق وأفغانستان والأراضي المحتلة.

الشاهد أن مخاطر الأحادية القطبية بلغت ذروتها بعد وصول المحافظين الجدد في أمريكا إلى البيت الأبيض، حيث إنهم ضربوا بالشرعية الدولية عرض الحائط في الكثير من الأحداث الجسام وعلى رأسها غزو العراق.

بل إن صقور الإدارة الأميركية الحالية ذهبوا أبعد من ذلك حيث سخروا من الأمم المتحدة ووصفوها بالكيان العجوز الذي لا يلبي متطلبات القرن الـ21.

وتمخض عن كل ذلك أكبر خطر يهدد العالم الآن وهو الإرهاب، الذي تحرر من عقاله وأخذ يضرب في كل الاتجاهات مدفوعا بردة الفعل العنيفة تجاه ممارسات القطب الواحد.

إن القمة الأوروبية الأميركية التي ستبدأ أعمالها اليوم تمثل سانحة عظيمة لحكماء أوروبا لمواجهة الشريك الأميركي وتحذيره من المخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها استراتيجياته في العالم، حيث إنها باتت تكرس عمليا للإرهاب والتطرف وسباق التسلح.

كذلك يجب أيضا على التكتلات الكبرى التي بدأت تتشكل في آسيا مثل تحالف الصين وروسيا والهند، وفي أميركا اللاتينية بقيادة البرازيل وفنزويلا، أن تلعب دورا في السياسة الدولية أكبر مما تقوم به الآن لإحداث قدر من التوازن لهذا العالم المضطرب، ولا سيما أن روسيا والصين تمتلكان حق النقض في مجلس الأمن الدولي.