الحداثة وما أدراك بالحداثة! الجميع يتحدثون عنها دون أن نعرف ما هي بالضبط. هذه هي المسألة التي شغلتنا على مدار ساعات طويلة في مدينة مكناس العريقة، الإمبراطورية، وبضيافة رجل مثقف هو واليها وحاكمها الأستاذ حسن أوريد الناطق الرسمي السابق باسم القصر الملكي في الرباط (أحيانا تجتمع السلطة والثقافة في شخص رجل واحد).
المداخلات كانت قيمة عموماً ومليئة بالأطروحات الجريئة والمتناقضة. فالبعض يشد في جهة الحداثة، والبعض الآخر يشد في جهة التراث. وهذا أمر مفهوم ومعقول في هذا الظرف الانتقالي العصيب الذي نعيشه.
الباحث السوري برهان غليون قدم لمحة تاريخية جيدة عن نشأة الحداثة في أوروبا ولكن لا أعرف كيف انتهى إلى الخلاصة التالية: وهي اننا لا نعيش أزمة مع التراث وإنما مع الحداثة، يكاد المرء يفهم ان سبب عللنا ومشاكلنا الحالية هي الحداثة والحداثيون وليس النزعة التراثية والتراثيين.
ولكن الرجل عرف كيف يحافظ على المكتسبات الايجابية للحداثة على الرغم من كل شيء، وان كان قد دعا إلى نزع الاسطورة عنها لكي تفهم على حقيقتها وبشكل تاريخي، متدرج ومحسوس، كنت أتمنى لو أنه أضاف: «ينبغي نزع الهالة الأسطورية عن التراث المتحجر أيضا وتفكيك انغلاقاته المزمنة التي تهيمن علينا اليوم اكثر من أي وقت مضى».
فلا يمكن القول باننا لا نعاني من مشكلة تراثية بعد كل ما حصل من تفجيرات داخلية وخارجية وبعد ان كلفتنا أبوجة الأصولية غالباً من حيث سمعتنا على الصعيد الدولي كعرب وكمسلمين.
هل كل هذا زوبعة صغيرة في فنجان؟ ألا ينبغي ان نأخذ المسألة التراثية على محمل الجد كما فعل فلاسفة التنوير في أوروبا فيما يخص أصوليتهم المسيحية من أجل فتح الطريق أمام انبثاق الحداثة بكل قيمها المتمثلة بالحرية الفكرية والديمقراطية وحقوق الإنسان؟ أليست هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتصالح مع أنفسنا ومع العالم المعاصر في آن معاً؟
لحسن الحظ فإن مداخلة المفكر التونسي العفيف الأخضر جاءت في وقتها لكي تضع النقاط على الحروف ولا تتهيب من الدخول في صميم المشكلة التراثية، وقد ألقتها نيابة عنه أسماء الشرايبي نظراً لتعذر حضوره. يقول العفيف الأخضر بأن الحداثة تطرح نفسها اليوم على جميع نخب وأمم العالم ليس كخيار له بدائل ممكنة، بل كضرورة لا بديل لها.
فالسؤال المطروح هو التالي: إما ان نكون حداثيين وإما ان نكون تقليديين، ولكن هناك عوائق تعرقل دخول الحداثة الى الفضاء العربي ـ الإسلامي، كما يرى المفكر التونسي المعروف، وهي تتمثل في شيئين أساسيين:
غياب التحديث الديمغرافي أو السكاني، وغياب تحديث الخطاب الديني، فالتضخم السكاني الكبير يقضي على أي أمل في تحقيق التنمية الاقتصادية في البلدان العربية، واستمرارية الخطاب الديني الانغلاقي المتعصب ضد الآخر سواء في وسائل الإعلام والفضائيات أم في برامج التعليم أم في خطب الجمعة الملقاة من على رؤوس المنابر، سوف يحرجنا أمام العالم كله.
كما انه سيمنع انتشار الحداثة الفكرية أو العقلية في أوساط شبيبتنا التي أصبحت ضحية هذه التصورات المتخلفة والظلامية التي لا تليق بحضارة أنجبت ابن حزم وابن الطفيل وابن رشد هذا ناهيك عن الكندي، والفارابي، وابن سينا، والمعري، وطه حسين ومحمد أركون وعشرات غيرهم.
لقد فاجأتني مداخلة استاذنا محمد الإبراهيمي الميلي السفير والوزير الجزائري السابق المعروف، فعلى الرغم من كبر سنه وكنت أعتقده تقليدياً بسبب ذلك، إلا انه انضم بكل وضوح إلى معسكر الحداثة والتحديث على كافة الأصعدة والمستويات من مادية وبالأخص فكرية، وقد عاب على المثقفين العرب عدم جرأتهم على نقد التزمت الديني .
كما فعل نظراؤهم في أوروبا إبان القرن الثامن عشر وما بعده، بل وحتى بدءاً من عصر النهضة في القرن السادس عشر، وقال بأن بعض المثقفين العرب فهموا الحداثة على أساس أنها مجرد نقل للتكنولوجيا فقط، وفاتهم أن الحداثة هي مسار العقل الذي أدى إلى صنع التكنولوجيا وليس التكنولوجيا بحد ذاتها. بمعنى آخر لقد أخذوا النتيجة ولم يأخذوا السبب، ولذلك فشلت الحداثة العربية لأنها كانت مجرد تركيب تكنولوجيا متطورة على عقلية متأخرة.
وروى لنا الأستاذ الميلي الحكاية التالية: وهي أنه سمع يوماً أحد أساتذة الجامعة الجزائرية يفتخر بأن الغزالي سبق ديكارت إلى مذهب الشك، ولكن فاته أن الغزالي استخدم الشك لإلغاء العقل، هذا في حين أن ديكارت استخدمه لإثبات العقل وتمجيده، وشتان ما بين الشكين، الأول قضى على حضارة بأكملها، والثاني أسس لحضارة بأسرها.
أما الدكتور محمد سبيلا أستاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس بالرباط فقد تحدث عن الحداثة والثورة المعرفية، وقال بأن الحداثة هي عبارة عن جملة مخاضات وتحولات كبرى أدت إلى تغيير وجه العالم القديم، وشرح لنا كيفية حصول الحداثة في مجال الفكر والفلسفة وكيف تجسدت في التاريخ الأوروبي المعاصر.
وكذلك فعل زميله الدكتور سالم يفوت الذي أفاض في الكلام عن الحداثة العلمية وكيفية حصول الصراع بين الكنيسة المسيحية والعلم الحديث منذ أيام كوبرنيكوس وغاليليو، ولا ينبغي أن أنسى هنا المداخلة التي قدمها الأستاذ إبراهيم أوشلح عن التطورات المذهلة التي حققتها الحداثة العلمية مؤخراً، أما كمال عبداللطيف فقد فاجأنا بموضوع شيق: روحانية الحداثة.
أما كاتب هذه السطور فقد حاول تبيان الفرق بين مجتمعات الحداثة ومجتمعات ما قبل الحداثة، أي المجتمعات التقليدية وقال بأن الأولى تتيح لمواطنيها ان يتمتعوا بكافة الحقوق والامتيازات: كحرية التعبير والاعتقاد والضمير والمساواة وحقوق الإنسان والديمقراطية.. الخ، اما الثانية فلا تزال عاجزة حتى الآن عن تحقيق ذلك.
ولذا يسود القمع والكبت والانفجارات العنيفة بل وحتى الحروب الأهلية من مضمرة أو صريحة، ثم أضفت: ولكننا لا نستطيع ان نحقق في ظرف سنوات معدودات ما حققته مجتمعات أوروبا على مدار أربعمئة سنة.
وبالتالي فعلى الغرب ان يصبر علينا قليلا لكي نستطيع ان نحل مشاكلنا المتراكمة، فنحن نعيش مرحلة العبور الحضاري الكبير، أي الانتقال من مجتمعات القرون الوسطى والتخلف الاقتصادي والاستبداد السياسي، إلى مرحلة التنوير والتنمية والديمقراطية الليبرالية أو الدستورية، وهي من أشد المراحل حرجاً وحساسية وتوتراً وصعوبة، وعلى هذا النحو نفهم سبب الانهيارات أو الانفجارات الحالية.
كاتب سوري ـ باريس