قبل النفط كانت إمارات الخليج العربية منسجمة ديموغرافيا، فقد كان عدد المواطنين في كل إمارة أكثر من عدد الوافدين، وكانت قوة العمل الأساسية مواطنة عند ما كان المجتمع منتجاً رغم فقره، وبعد ظهور النفط والتحديث تطلب الوضع في دول المنطقة استقدام المؤهلين والفنيين والعمال من الخارج لقلة عدد السكان.
واستمرار التحديث والتطور أدى إلى زيادة عدد الوافدين، كما أن المكاسب المادية الكبيرة قياساً على بلدان المنشأ المصدرة للوافدين قد دفعت الكثير وبخاصة من الدول المجاورة وشبه القارة الهندية للهجرة إلى دول المنطقة مما أدى إلى مضاعفة عدد السكان عدة مرات في سنوات قليلة، وحدثت فوضى سكانية كبيرة.
حيث لم تكن هناك قوانين للجنسية في البداية، ولا قوانين عصرية لضبط الهجرة، ولا تحكم جيدا في الحدود، ولا وجود لإحصاء دقيق للسكان فنتج عن ذلك هجرة عشوائية غير مخطط لها.
وفسحت المجال لتجارة الإقامات واستيراد البشر فزادت في كثير من الأحيان عن حاجة مؤسسات الدولة والمجتمع على مستوى القطاعين العام والخاص فأوجدت تلك الحالة ظواهر لم يعهدها هذا المجتمع منها دخول الأمراض المعدية وتجارة المخدرات.
وعادات وقيم وثقافات عديدة ووجدنا ترسبا وبقاء لعدد من الوافدين بصورة مشروعة وغير مشروعة، ثم تركت آثارا اقتصادية واجتماعية انعكست على الوافدين والمواطنين وخلال محاولات ضبط الأمور المتعلقة بالهجرة حدثت ولا تزال مشكلات وخروقات عديدة مثل ظاهرة البدون أو غير محددي الجنسية، وظهور البطالة وسط الوافدين، والبطالة المقنعة وسط المواطنين، وانفاق وهدر كبير من الدولة على الخدمات.
كذلك مصاحبا لذلك هجرة قبلية كثيفة الى دول المنطقة بعضها من بادية هذه الدول وبعضها الآخر من دول مجاورة جذبتها الإغراءات المادية والمكاسب التي حصل عليها من سبقهم في الهجرة والتوطن في إمارات ودول المنطقة، ووجدت أنظمة الحكم في هذا المد القبلي قاعدتها في بعض الأحيان فحدثت التجنيس السياسي.
وبالتوقف عند حجم الظاهرة ونوعيتها نرى تضخما كميا خرج عن نطاق السيطرة في عدد من دول المنطقة، ولنقل ان نصف هذا العدد لا تحتاجه المنطقة. وعلى الرغم من قيام عدد الباحثين بدراسة هذه الظاهرة وتبيان سلبياتها إلا أن أصحاب القرار لم يلتفتوا إليها، فهي هجرة في معظمها أمية، وعازبة وفائضة عن الحاجة. ان المعادلة التي تحتاج إلى فهم هي:
ان الزيادة في عدد المواطنين زيادة طبيعية بالمواليد والتجنيس تقابلها زيادة مضطردة في عدد الوافدين في دول المنطقة وبخاصة الآسيوية فما تفسير ذلك؟
من المفترض ان يحدث العكس عندما تزيد قوة العمل المواطنة تقل قوة العمل الوافدة، أو على الأقل تحافظ الأخيرة على مستواها عدديا لكن الأمر لم يكن كذلك، وحتى مسألة زيادة عدد الوافدين في هذه الدول لم تكن زيادة محدودة ومنطقية.
بل هائلة في بعضها فهي في الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر كبيرة جداً تبلغ أكثر من ثلثي السكان، ثم دعونا نسأل هل نحن بحاجة إلى هذه الأعداد الهائلة من الآسيويين الذين يقومون بأعمال هامشية في المطاعم وشركات التنظيف والزائرين المقيمين بحجة أنها لأسباب إنسانية؟ أية زيارة لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد؟
بعضهم يلجأ إلى التسول وآخرين إلى مساعدات بيت الزكاة واللجان الخيرية أو آخرون يتسربون ويغيرون عناوينهم ويضيعون في الأحياء السكانية التي تكثر فيها أمواج العمالة الوافدة.
لم نر حتى الآن معالجة عملية جذرية للمشكلة السكانية الوافدة، ويبدو أن هناك جهلا وتجاهلا بالأبعاد السلبية للظاهرة على الرغم من اقرارنا بإيجابياتها، وبعض تلك السلبيات على سبيل المثال تعثر توطين الوظائف، والبطالة المقنعة المواطنة وتردد القطاع الخاص في استيعاب وتوظيف المواطنين، وسياسات دول المنطقة لا تدرك المخاطر.
وأن تفكيرها قاصراً ومحدوداً في معالجة قضية الاستقدام والاستخدام، علينا ان ندرك وبوضوح ان نسبة الوافدين مهما كانت التبريرات لا يجب ان تزيد على 30% من حجم السكان الكلي في كل دولة خليجية، وليكن ذلك هدفاً استراتيجياً في هذه الدولة. يتحدثون عن الإحلال وعن الضوابط القانونية، وعن حل مشكلة المتواجدين في دول المنطقة بصورة غير مشروعة.
ولكن لاعتبارات سياسية ونفعية وتدخل الواسطة تتعثر تلك السياسات والإجراءات لضبط المسألة السكانية. لقد نتجت عن تلك الأوضاع ظاهرتان جديدتان خلقتها ظاهرة الهجرة إلى المنطقة هي: البطالة والفقر بين الوافدين، فهل دول المنطقة وشعوبها مسؤولة عن بطالة وفقر هؤلاء؟
وهل نحن في دول لها دساتيرها وقوانينها ومقوماتها أم نحن في جمعيات خيرية؟ وهل من مسؤوليتنا وجود بطالة بأعداد كبيرة من الوافدين بيننا ومن ثم فقرهم، أم هي مسؤولية دولهم وحكوماتهم؟! لا نطرح الموضوع من منطلق عنصري بل قانوني سيادي وطني إنساني.
علينا أن ندرك اليوم وليس غداً مدى حاجتنا إلى الوافدين، ونضع الخطط العملية لذلك، وندرك أيضاً أن كثيراً من العمالة وغيرها من الوافدين التي توصف بأنها مؤقتة هي ليست كذلك، فماذا تعني العمالة المؤقتة والدائمة إذا كانت إقامتها أكثر من ربع قرن وبهذه الأعداد الكبيرة، فلماذا لا يعاد النظر في قوانين الهجرة، بحيث تحدد مدة الوافد إلى دول المنطقة والعمل فيها بخمس سنوات فقط، ليرحل بعدها ويأتي غيره؟
على أمل ان ندرك بعد ذلك الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتكدس هذه الأعداد الكبيرة في دولنا؟ أم أننا فقط نفكر في الجانب النفعي المادي الآني لتأجير عمارات البعض، وتوفر القوة الشرائية في الأسواق.
وزيادة رفاهية دول وشعوب الرفاه النفطي. علينا أن نعترف بدور الوافدين وعملهم وأن لهم حقوقاً علينا، ويعانون من مشكلات عديدة بيد أن الواقع الوطني يدفعنا للقول إن لهذا الطوفان البشري آثاراً سلبية خطيرة على المدى البعيد لم يدركها كما يبدو صاحب القرار:
هناك ظاهرة البطالة المقنعة وهناك مشكلة غير محددي الجنسية، وهناك تجارة الإقامات وأذونات الزيارة وغيرها وكلها إفرازات ظاهرة الهجرة.
لدى المؤسسات المعنية بالهجرة واستقدام الوافدين في دولنا تشريعات وقوانين وإجراءات اتخذتها وعدلتها وطورتها من واقع التجربة خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين. وسؤالنا لماذا لا تطبق تلك القوانين؟
ولماذا لا يعاد النظر في بعضها بعد التجربة وزيادة عدد السكان المواطنين، وزيادة مخرجات التعليم وزيادتهم في قوة العمل وتحديد الحاجة في حدود احتياجات دولنا في كل قطاع ومجال؟ أليست قوانين معظم دولنا تنص على أولوية العمل للمواطن العربي فالأجنبي؟
أليست قوانين العمل تنص على ضرورة وجود حاجة وعمل للوافد؟ أليست قوانين دولنا تنص على حل لمشكلات تضخم العمالة الوافدة، وعدم السماح ببقاء من لم يجدد إقامته وعقد عمله؟، أليست هناك قوانين تنص على معالجة غير محددي الجنسية في دولنا؟
أليست لدينا قوانين لمحاربة البطالة المقنعة والبطالة بصورة عامة؟ لماذا هناك أناس لدينا فوق القانون يستخدمون الواسطة لمنافعهم الشخصية أو لاعتبارات اجتماعية وتقبل مؤسساتنا الرسمية ذلك؟! ونتحدث بعد ذلك عن الإصلاح والتنمية.
لقد بحّت الأصوات المخلصة، وجفت أقلامها وهي تتحدث عن الظواهر السلبية في مجتمعاتنا ومنها ظاهرة الهجرة الوافدة وتضخمها الكبير وإلى متى؟
وإن الذين يقولون إننا نطرح المشكلة ولا نطرح العلاج مخطئون أعيدوا قراءة ما كتب مراراً وتكراراً فهناك مقترحات لكنهم لا يقرأون، ولا يريدون فعل شيء، المهم ألا نيأس، ونستمر في نقد مثل هذه الظواهر فسيأتي اليوم الذي ندرك فيه أننا نهدر الإمكانية ونضيع الفرصة، ولابد من العمل لمواجهة هذه الإشكالية وغيرها.
جامعة الكويت