بعد ثلاث سنوات من الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش على سطح حاملة طائرات أميركية تحت لافتة عملاقة تحمل كلمتين هما «المهمة أُنجزت»، انطلق، مؤخراً، في رحلة سرية إلى بغداد، ليقضي خمس ساعات في المنطقة الخضراء، وليلقي كلمة.
يشير فيها إلى إمكانية بدء خروج عدد من عناصر القوات الأميركية في العراق البالغ قوامها حالياً 130 ألف جندي من العراق قبل نهاية العام الحالي، ويختتمها موجهاً حديثه إلى رئيس وزراء العراق نوري المالكي قائلاً: «إن مستقبل العراق في أيديكم».
هذه الساعات الخمس التي أمضاها بوش في بغداد، ولم يغادر خلالها المنطقة الخضراء الحصينة، فيما واصل الطيران الحربي الأميركي تحليقه المكثف خلالها فوق العاصمة العراقية، ما كان يمكن إلا أن تثير اهتمام كل من يتابع التطورات في العراق، سواء بملابساتها، أو بما قيل خلالها، أو بما أعقبها مباشرة.
وقبل أن نقرأ دلالة زيارة الساعات الخمس، دعنا نتذكر أن توقيتها جاء لاستثمار تطورين محددين، أولهما مقتل أبي مصعب الزرقاوي بتأثير قصف مباشر لمقره في منطقة معزولة قرب بعقوبة، في غمار حملة أميركية تعتمد المراحل الثلاث التقليدية المعروفة، وهي التضخيم ثم الشيطنة وأخيراً استثمار القضاء على من جرى تضخيم وضعه وإضفاء عناصر الشيطنة عليه.
وذلك للوصول إلى ثمار عملية علاقات عامة تقليدية على الطريقة الأميركية، التي تابع العالم تنفيذ عشرات العمليات مثلها من أميركا اللاتينية حتى الشرق الأقصى.
أما التطور الثاني فهو استكمال شغل الحقائب الأخيرة في حكومة المالكي العتيدة، والتي كانت قد بقيت من دون إجماع على هوية شاغليها.
الآن دعنا نقرأ العناصر التالية، التي ظلت بعيدة عن الأضواء في زيارة الساعات الخمس للمنطقة الخضراء.
*اولا: على الرغم من كل ما تردد عن خروج القوات الأميركية من المدن العراقية الكبرى، وربما بدء خروج عناصر من هذه القوات من العراق بكامله مع نهاية العام الحالي، إلا أن الحقيقة البسيطة والواضحة والتي لا مجال لإنكارها هي أنه ما بين الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الأميركي للمنطقة الخضراء وآخر زيارة قام بها للعراق في عيد الشكر عام 2003 زاد قوام القوات الأميركية المرابطة في العراق ثمانية آلاف جندي.
* ثانياً: ليس من قبيل الصدفة أنه لم يتم إبلاغ نوري المالكي بوجود الرئيس الأميركي في العراق إلا قبل خمس دقائق فقط من لقائه به، وحتى ذلك الوقت كان كل ما قيل له هو أنه في طريقه إلى السفارة الأميركية للمشاركة في مؤتمر عن بعد مع بوش وكبار مساعديه، الذين يفترض أنهم يعقدون اجتماعاً في كامب ديفيد بولاية ماريلاند.
وعلى الرغم من أنه تم تبرير ذلك للمالكي بـ «اعتبارات أمنية»، فإن ذلك لا يحجب الحقيقة القائلة إن الرجل لم يكن يدري من دخل بلاده ولا من خرج منها، وهو ما يعيد التشديد على وضعية حكومته باعتبارها حكومة تعمل في ظل الاحتلال وليس بيدها لا حاضر العراق ولا مستقبله، حكومة يمتد فوقها الظل الطويل لمئة وثلاثين ألف جندي أميركي.
* ثالثاً: لا يحتاج المرء إلى الكثير من التعمق في التحليل، لكي يدرك أن الهدف الحقيقي من زيارة الساعات الخمس له علاقة بالحقائق السياسية على الساحة الأميركية بأكثر مما له صلة بالعراق، فقد سعت الإدارة الأميركية للاستفادة من حملة العلاقات العامة التي نسجتها حول مصرع الزرقاوي وحول اكتمال حكومة المالكي العتيدة لإعطاء دفعة للتقويم المتردي من جانب الشعب الأميركي لأدائها في العراق ولقطع الطريق على خطر فقدان الحزب الجمهوري لسيطرته على مجلس النواب.
وربما على مجلسي الكونغرس كليهما.وهذه الحقيقة ستبدو لنا بجلاء إذا تذكرنا أنه قبيل زيارة الساعات الخمس للمنطقة الخضراء كان استطلاع جديد مشترك للأسوشيتدبرس مع «إبسوس» للرأي العام في أميركا قد أظهر أن تأييد الأميركيين لمعالجة بوش للحرب في العراق قد تراجع إلى 33% .
وهو رقم قياسي جديد في الانخفاض وأن تأييد الأميركيين الكلي للطريقة التي يؤدي بها بوش مهام منصبه قد وصل إلى 35% وهو أقل معدل تأييد لأي رئيس أميركي منذ إجبار الرئيس ريتشارد نيكسون على الاستقالة في غمار فضيحة ووترغيت.
* رابعا: لا يستند التأييد السياسي لإدارة الرئيس بوش إلى أي دعم للحرب التي تشنها في العراق ولا لأجندة المحافظين الجدد، وإنما إلى ان الحزب الديمقراطي، فيما يبدو، لم يتملك حتى الآن ناصية القوة الدافعة لتقديم بديل ملموس وقابل للالتفاف حوله.
ومن المهم أن نتذكر في هذا الصدد أن رد فعل كارل ليفين عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي البارز على زيارة بوش لبغداد قد تمثل في ترحيبه بالزيارة على أساس أنها «يحتمل أن تؤدي إلى عمليات إعادة انتشار على مراحل هذا العام ومواصلتها في العام المقبل».
? خامسا: توجت زيارة بوش للمنطقة الخضراء بإعطاء الضوء الأخضر للخطة التي عرفت باسم «معاً إلى الأمام»، والتي بدأ تنفيذها مؤخراً من قبل حكومة المالكي من خلال حشد خمسة وسبعين ألف رجل من عناصر الشرطة والأمن الداخلي العراقي بمرافقة «خبراء» أميركيين وعناصر دعم من قوات الاحتلال في شوارع بغداد لإقامة مئات من نقاط التفتيش وشن عمليات تفتيش في العديد من الأحياء التي ينظر إليها على أنها معادية للوجود الأميركي في العاصمة العراقية.
الآن إذا تأملنا هذه العناصر، فإنه يبدو لنا أن الواقع الوحيد الذي لا مجال لإنكاره هو انه سقط 2500 جندي أميركي قتلى على أرض العراق وارتوت أرض الرافدين بدماء مئة ألف عراقي.ولا يبدو في الأفق ما يدل على أن هذه الأرقام مرشحة للتوقف عند هذا الحد.
الذين تابعوا مسيرة الحملة الأمنية في بغداد يعرفون أنها لم تؤد إلا إلى إضافة أزمة جديدة إلى أزمات العاصمة العراقية، هي هذه المرة أزمة ضائقة المرور بفعل العرقلة التي تسببت فيها الحواجز الأمنية المقامة من قبل قوات الاحتلال والشرطة والجيش والأمن الداخلي، أما الغائب الكبير فهو الأمن والشعور بأن هناك ضوءا في نهاية النفق.
والذين تابعوا مجمل ما يجري في العراق يدركون الحقيقة الواضحة والبسيطة والمحددة، وهي أنه ليس هناك «معاً» في الشارع العراقي، فقوات الاحتلال في العراق ليس أمامها إلا طريق واحد، هو الذي يفضي إلى خروجها من العراق، أما الإصرار على غير ذلك، فإنه لن يفضي إلا إلى المزيد من تدفق الدماء في العراق، خاصة.
وأن قوات الاحتلال قد برهنت على قدرتها على فتح الآفاق بدم بارد أمام مذابح تروح ضحيتها أعداد متزايدة من المدنيين العراقيين، في غضون ذلك يظل هناك ملفان جديران بفتحهما بعيداً عن حملات العلاقات العامة وعن التقافزات المسرحية على الساحة العراقية، الملف الأول هو ملف الحوار على أرضية الوحدة الوطنية العراقية، والملف الثاني هو ملف استراتيجية عمل عربية في العراق.
رئيس قسم الترجمة ـ «البيان»
kamel@albayan.ae
