في عام 2002 تم تنظيم كأس العالم لكرة القدم لأول مرة في آسيا مشاركة بين كوريا واليابان وتزامن حضوري مؤتمر منظمة المدن العالمية في مدينة سيئول مع انطلاق هذه المناسبة الرياضية فدعيت ومجموعة من عمداء المدن المشاركين في المؤتمر لحضور حفل الافتتاح بدعوة من عمدة مدينة سيئول، يقيناً منه بأن الجميع سوف يلبي الدعوة لأن كرة القدم هي اللعبة الشعبية الوحيدة التي سحرت العالم كباراً أو صغاراً رجالاً ونساءً، لذا لم يتردد أحد من المدعوين في الحضور.

وعلى الرغم من أن الاستمتاع قد يختلف من شخص لآخر ويأخذ طابع الجدية والتطرف في أغلب الأحيان إلا أن الجميع يشجع ويتفاعل كل حسب ميوله، فهناك من يشجع منتخباً إيماناً منه أنه يقدم اللعب الجميل ويتفنن في إمتاع المشاهدين.

وهناك من يشجع منتخب بلاده إيماناً منه بأنه واجب وطني أو قومي وهؤلاء هم الأغلبية، وهناك من يشجع المنتخبات الكبيرة والقوية إيمانا بأنها ستنافس للنهاية، وبالتالي سوف يطول استمتاعه وحماسته إلى المباراة النهائية.

لكن لا يختلف أحد على أن هذه اللعبة الجميلة غالباً ما نتابعها بحماسة وتفاؤل وتنتهي، وقد أصابتنا بصداع وتوتر، حتى لو لم يكن منتخبنا المفضل طرفاً فيها.

ولقد كانت صدفة جميلة هذه السنة وحضرت افتتاح كأس العالم منذ أيام في مدينة ميونخ بألمانيا بدعوة كريمة من طيران الإمارات الراعي الرسمي لهذا الحدث العالمي، وطيران الإمارات لا تحتاج مني إلى تعريف أو إشادة فهي شركة ولدت عملاقة وطموحها ونشاطها في ازدياد مستمر ورعايتها لمختلف الأحداث الرياضية جعلت منها رائدة شركات الطيران العالمية في هذا المجال.

وكما يعلم الجميع تشارك في كأس العالم لهذا العام مجموعة منتخبات من جميع القارات، منها منتخبات دائمة المشاركة منذ انطلاق هذه البطولة ولا تحلو بدونها، ومنها منتخبات دائمة التواجد في البطولة وتسعى جاهدة كل دورة لترك بصمة ببلوغ دور الثمانية على الأقل، اما باقي المنتخبات فأغلبها يقتصر دوره على الظهور ككمبارس ليس إلاّ!

وغالباً ما تتأرجح البطولة بين أوروبا وأميركا الجنوبية وخلال نصف القرن الماضي كانت البرازيل من أكثر الدول فوزاً بها، اما فرق الكمبارس، فهي تتبادل المراكز بين قارتي آسيا وإفريقيا، ومن أكثر الدول المرشحة للفوز في هذه الدورة، البرازيل وانجلترا واسبانيا والأرجنتين ولا أستبعد مفاجأة حصان أسود أوروبي يأتي من الخلف.

وبالنسبة للدول العربية تعتبر مصر من أولى الدول العربية والإفريقية مشاركة في البطولة، لكنها مع الأسف تراجعت ولم تستطع مجاراة الدول الإفريقية التي سبقتها، وذلك بما يمتلكه اللاعبون الأفارقة من قدرات وإمكانيات أهلتهم للعب كمحترفين في أندية أوروبية مرموقة حتى أصبح البعض منهم من أشهر اللاعبين في أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة تجاوزت شعبية كرة القدم الجماهير البسيطة وشدت انتباه السياسيين ورجال المال والأعمال، حيث أصبح بعض رؤساء الدول يستغلون هذه اللعبة كورقة رابحة للفوز بكرسي الرئاسة أو كسب أصوات أكثر لحزبهم في الانتخابات البرلمانية، أما رجال المال والأعمال فلا شك أنهم يتهافتون على استغلال مثل هذا الحدث لأنهم مستفيدون بشكل أو بآخر، وبمجرد رعايتهم للفرق أو الدول المستضيفة يحققون مكاسب كبيرة اقلها الترويج لمنتجاتهم والدخول في منافسة مع الشركات الأخرى.

وفي ظل سياسة الرئيس الحالي للاتحاد الدولي لكرة القدم جوزيف بلاتر قد تتطور اللعبة في عصر العولمة وتتعدى الأهداف التي أقيمت من أجلها أول مرة وقد يصبح الاتحاد إمبراطورية تتخذ قرارات تتحكم من خلالها في هذه اللعبة كيفما تشاء، وهذا لن يفاجئنا وقد تكون الإمبراطورية الوحيدة في العالم غير الخاضعة للمحاسبة.

في عام 2002 كان الحدث الأبرز الذي طغى على نهايات كأس العالم هو انتخابات الاتحاد الدولي لكرة القدم وكان حينها من أبرز المرشحين إلى جانب الرئيس الحالي، رئيس الاتحاد الإفريقي «عيسى حياتو», حينها وعده البعض وتعاطفوا معه ظناً منهم ان الاتحاد بحاجة إلى تغيير وإلى شخصية غير أوروبية قد تخدم أكثر القارات الأخرى.

وحينها كان رأيي ان هذا غير ممكن في ظل وجود إخطبوط متمكن مثل بلاتر الذي يمتلك خبرة واسعة صقلها في خلال احتكاكه بالعمل في هذا المجال منذ سنوات.

إضافة إلى كونه من أوروبا وهذا لوحده كفيل بإضعاف فرص منافسه ومهما حاول القائمون على الاتحاد الدولي لكرة القدم الترويج لمناهضة العنصرية داخل اللعبة إلا ان سياسة الانتخابات تختلف وقد تظل الأفضلية بالنسبة للرئاسة للأوروبيين لسنوات طويلة، وعلينا أن نكون واقعيين فمن الصعب حالياً منافسة بلاتر مهما كانت إمكانيات وقدرات الطرف الآخر، فهو متواجد بقوة على رأس الجهاز ويتحكم فيه.

ولا يعجز عن طرح خطط واستراتيجيات لتطوير كرة القدم، إضافة إلى أن أوروبا تعتبر نفسها المؤسس الرئيسي لهذه اللعبة، مع أنها في الأصل من اختراع الصينيين، كما يقال، لكن الأوروبيين طوروها، خاصة الإنجليز.

مع ذلك فالمنتخبات الأوروبية بمجملها لم تنل الشهرة التي نالتها البرازيل، بالرغم من أن أغلب اللاعبين البرازيليين اشتهروا في الأندية الأوروبية، لأن أوروبا تتحكم في ما يسمى بتجارة كرة القدم، وحالياً يتم تجهيز شخصيات لرئاسة الاتحاد في المستقبل وعلى رأسهم الألماني بكنباور، والفرنسي بلاتيني، ومع أن الجوهرة السوداء بيليه لا يقل شهرة عنهما، إلا أن اسمه غير مطروح في قائمة بلاتر.

إلى جانب كل هذا ففي اعتقادي أن استراتيجية بلاتر تتلخص في جعل الاتحاد الدولي لكرة القدم «FIFA» أكبر شركة تجارية يتجاوز رأسمالها مليارات الدراهم، وفي رأي الكثير من المحللين هو يمتلك العصا السحرية التي تكمن في جنون العالم بكرة القدم، فها هي أميركا بكل قوتها الاقتصادية وجبروتها ترضخ لهذه اللعبة بعد أن حاولت بشتى الوسائل الابتعاد عنها والاهتمام ببدائل أخرى مثل كرة السلة وكرة القدم الأميركية، حتى أنها لم ترض بتسميتها FOOT BoAL .

وأطلقت عليها اسم SOCCER، ومؤخراً بعد أن اعترفت بسحر هذه اللعبة أسست أندية محترفة في كرة القدم، وفي آخر أربع منافسات شارك المنتخب الأميركي في نهائيات كأس العالم، ليس لأنهم أقوياء في هذا المجال بل لأنه لا يوجد منافس لهم في قارتهم.

يقول فرانسوا فانو الفيلسوف الفرنسي المولود في الجزائر إنه عندما يتابع مباراة جميلة في كرة القدم يتخيلها مسرحية ليس للمخرج يد في نهايتها.

كاتب إماراتي

sultan65@hotmail.com