الأحداث المماثلة لتلك التي وقعت في بلدة «حديثة» في غربي العراق في نوفمبر الماضي لا تنشأ من فراغ. بل تنمو وتتعاظم من أهوال الحرب، في تربة مخضبة بدماء الجنود والمارينز وأيضاً الأبرياء الذين يعلقون دائماً في المنتصف.
التحقيق مستمر وسيتوصل على الأرجح إلى توجيه اتهامات إلى ستة جنود شبان من المارينز قد يواجهون محاكمة عسكرية بتهم خطيرة ربما تتضمن القتل. قد يواجه الضباط في منتصف التسلسل القيادي تهماً بالتغطية على ما حدث في الشارع وفي المنازل الواقعة في ذلك الشارع.
وستصدر الأحكام في حق هؤلاء وسيقضى على حياتهم و مسيرتهم المهنية، كما حدث في فضيحة تعذيب سجن أبوغريب، والمسؤولون في قمة هرم القيادة سيقولون إن العدالة تحققت وإن الأمر كله كان مجرد انحراف لـ « بضع تفاحات فاسدة». لكن الانحراف الحقيقي هو الحرب، ولطالما كان دائماً كذلك.
فذبح الأبرياء، بطريق الخطأ أو عن عمد، حدث في كل حرب خاضها الإنسان منذ القدم، ولم يكن الأمر مختلفاً عندما قاتل الأميركيون أثناء الحرب الأميركية الأهلية في حرب العصابات في أماكن دموية مثل ولاية كنساس وولايتي تنيسي وكنتاكي الحدوديتين. أو في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وينطبق هذا الكلام بشكل خاص على حروب التمرد، التي ليس من السهل فيها تمييز الأبرياء عن العدو الذي يضرب بطرق جهنمية يصعب على الجنود النظاميين التعامل معها - مثل الأجسام المفخخة في فيت كونغ، المفجرين الانتحاريين في لبنان والقنابل المزرعة على جانب الطريق في العراق.
أتذكرون ماي لاي والملازم راستي كالاي والنقيب إدوارد مدينا؟ تحت قيادة هذين الضابطين، قام جنود أميركيون بتجميع وتذبيح من يتراوحون بين 300 إلى 400 امرأة وطفل وعجوز في قرية ماي لاي في فيتنام، وتركوا جثثهم مكدسة في كوم بشع تقشعر له الأبدان؟
أتذكرون ما أعلن عنه أخيرا من ان رجال فرق « تايغر» التابعة لوحدة أميركية نخبوية مجوقلة عاثوا فساداً في فيتنام لأشهر، حيث راحوا يقتلون كل من يصادفونه في طريقهم بغض النظر عن عمره أو جنسه أو براءته؟
لقد كانت حرب فيتنام، إلى حد كبير، حرباً ضد المتمردين في البداية، حرباً ذات جذور غامضة تم بدؤها بشكل رخيص وشبه سري من قبل قيادتنا السياسية التي راحت تزيد حجم الالتزامات البشرية والمادية الأميركية في تلك الحرب شيئاً فشيئاً.
تم تلفيق الكثير من الأكاذيب للشعب الأميركي ولفترة طويلة من قبل قادة كلا الحزبين السياسيين، إلى أن انقلبت الأمة في النهاية ضد الحرب، عندما لم تستطع رؤية أية نهاية للحرب في المستقبل المنظور بعد ثماني سنوات دموية في فيتنام.
وقبل أشهر فقط تم الإفراج عن وثائق سرية كشفت أن ثعلب الدبلوماسية والخداع، هنري كسينجر، أخبر اللجنة الصينية قبل نهاية الحرب بقليل أن كل ما تريده واشنطن هو فسحة زمنية معقولة للخروج من فيتنام وأنها لم تكن تعبأ بما سيحل بالبلد أو بحلفائنا الفيتناميين الجنوبيين.
والآن، كما في ذلك الحين، هناك آخرون يتحملون مسؤولية ما ارتكبته حفنات من مشاة البحرية الشبان في أمكنة مثل ماي لاي و حديثة.
هناك زعماء سياسيون، لم يجرب أي منهم وطأة القتال وجنون ساحات الوغى، أخذوا هذه الأمة إلى الحرب في العراق اتباعاً لنزواتهم وضغائنهم وكانوا متأكدين أن الأميركيين سيستقبلون استقبال المحررين. وأرسلوا عدداً قليلاً جداً من الجنود لفرض القانون والنظام وعدداً أقل لحفظ السلام.
وغطوا على الحقيقة بكلمات طنانة مثل «التحول» ونظريات تتحدث عن طريقة جديدة لخوض الحروب تقوم على قيام قوات أكثر خفة ورشاقة وسرعة بتوجيه ضربات استباقية ضد أعدائنا وخاضوا الحرب عبر قوات مسلحة صغيرة من المتطوعين لم يكن أمامها خيار سوى إرسال الجنود أنفسهم إلى أتون الجحيم مرة تلو الأخرى.
إذ قام بضعة من هؤلاء الجنود في حديثة بفتح النار على الأبرياء من دون تمييز بعد أن فقدوا صوابهم بسبب مقتل رفيق آخر لهم من دون معنى في انفجار عبوة ناسفة أخرى على جانب الطريق، فغلطة من هذه؟ إنها غلطتهم وغلطة قادتهم الميدانيين، وإذا تمت إدانتهم فسوف يدفعون ثمناً مريعاً.
لكن أولئك الذين شنوا حرباً من دون سبب مقنع وأداروها بمستوى مدهش من العجرفة والجهل وانعدام الكفاءة على نحو لم يشهد تاريخ الحروب مثله منذ الحرب العالمية الأولى، سوف يغيبون عن الأنظار ليعيشوا حياة طيبة مستمتعين بثرواتهم.
وأولئك الذين شاركوا فعلياً في القتال يدركون تماماً أنه ليس نزهة. أو كما قال دوق ولينغتون، في برقية أرسلها من ساحة معركة ووترلو الدموية بعد أن حقق انتصاراً عظيماً هناك: «لاشيء سوى المعركة الخاسرة يرقى إلى نصف مستوى الكآبة المقترنة بالمعركة الرابحة».
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص ل: «البيان»