تشير آخر استطلاعات الرأي العام الأميركي إلى تراجع شعبية الرئيس بوش إلى مستويات منخفضة جدا لم يكن يتوقعها أحد من أعوانه أو خصومه خلال أي وقت مضى. إذ يعتبره المراقبون جديدا في استطلاعات الرأي الأخيرة.

والتي تشير إلى أن شعبية بوش انخفضت إلى 31% فقط، وان الانخفاض بلغ حوالي 15 نقطة خلال أسابيع قليلة، ان الرئيس وحزبه الجمهوري يخسرون بشكل متواصل ثقة الفئات الاجتماعية المحافظة والتي طالما اعتمدوا عليها وعلى دعمها لهم ووقوفها إلى جانبهم في كافة معاركهم الانتخابية.

ويتوقع الكثيرون من المراقبين السياسيين أن يقود هذا التدهور في شعبية الرئيس إلى انقسام الحزب الجمهوري على نفسه، ودفع بعض قياداته من رجال الكونغرس إلى التخلي عن الرئيس وعن برامجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك كي لا يضعفوا فرص فوزهم في الانتخابات التشريعية القادمة، والتي ستتم في شهر نوفمبر المقبل.

وبالرغم من تعدد العوامل السياسية والاجتماعية التي تعتبر مسؤولة عن هذا التدهور الكبير والمتسارع في شعبية الرئيس الأميركي، إلا أن اتجاه أنصار الحزب الجمهوري التقليديين من الناخبين إلى التخلي عنه يعتبر العامل الأهم. ويتركز استياء الحلفاء التقليديين للحزب حول قضايا أساسية، في مقدمتها:

العجز المتزايد في الميزانية الحكومية بسبب تكاليف الحرب الباهظة والتي تجاوزت في المعدل 8 مليارات دولار في الشهر، عدم الرضا عن توجه إدارة بوش فيما يتعلق بقضية المهاجرين غير الشرعيين ونظام التأمينات الاجتماعية لكبار السن والمتقاعدين.

انتشار الفساد السياسي وتكرر الفضائح المتعلقة برجال الكونغرس وكبار المسؤولين الحكوميين، الفشل في إنهاء الحرب في العراق وفي إقناع غالبية الناس أن بالإمكان تحقيق النصر فيها، وابتعاد الرئيس وإدارته بشكل عام عن المبادئ التقليدية المحافظة.

لقد قامت استراتيجية الحزب الجمهوري على مدى عقود على افتراض بسيط يقول ان هناك فئات اجتماعية تميل بطبيعتها وبسبب خلفياتها الثقافية وتوجهاتها الدينية إلى تبني قضايا اجتماعية محافظة، ودعم مواقف سياسية خارجية تعكس القوة الأميركية وتعمل على تعزيز المصالح الوطنية الأميركية على الساحة الدولية.

وهذا يدفع تلك الفئات إلى الوقوف دوما إلى جانب القوات الأميركية المسلحة، خاصة عندما تكون تلك القوات خارج أميركا تقاتل من أجل تعزيز مكانة بلادهم الدولية. وحيث أن القوى المحافظة، هي بحكم فلسفتها والقيم التي تؤمن بها، تعتبر قوى إيديولوجية، فإنها تميل بطبيعتها، وأينما وجدت، إلى الانخراط في العمل السياسي والمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والعملية الانتخابية.

وهذا يعني أن بإمكان الحزب الجمهوري ذي العقيدة السياسية والاجتماعية المحافظة أن يعتمد على استمرار دعم تلك الفئات له ولسياساته الداخلية والخارجية طالما بقي أمينا على فلسفته المحافظة في الحكم. لكن الاستطلاع الأخير للرأي يشير إلى أن تلك الفئات لم تعد تعتقد أن الرئيس بوش يحمل أفكارها ويدافع عن قضاياها ويستحق دعمها وثقتها.

إن من النتائج المهمة التي يمكن استخلاصها من استطلاعات الرأي العام خلال الأشهر القليلة الماضية، أن المحافظين من أبناء الشعب الأميركي وقفوا إلى جانب الرئيس بوش طويلا، وذلك بالرغم من عدم رضاهم عن توجهاته السياسية والاجتماعية في الآونة الأخيرة. ويعود السبب الرئيسي في استمرار دعم هؤلاء للرئيس إلى قناعتهم بوجوب استمرار الحرب على الإرهاب والعمل على هزيمة قوى الإرهاب الدولية على الساحة الوطنية والعالمية.

وهي الحرب التي كانوا على أتم الاستعداد لخوضها ودفع الثمن المادي والبشري المطلوب لكسبها. أما وقد فشلت الحرب على الإرهاب، وتزايدت تكاليفها المادية وضحاياها البشرية، وتخلى الرئيس عن العديد من مواقفه المحافظة السابقة، فإن دعم المحافظين من الناخبين لسياساته وحزبه لم يعد بالإمكان الاعتماد عليه.

كانت أحداث سبتمبر عام 2001 من أهم العوامل التي تسببت في تحويل مجرى السياسة الأميركية والبريطانية في اتجاه التدخل العسكري في منطقة الشرق الأوسط والقيام بغزو أفغانستان والعراق واحتلال أراضيهما.

وبالرغم من أن الوثائق التي نشرت على مدى السنوات الثلاث الأخيرة تشير إلى أن غزو العراق كان على قائمة أولويات إدارة بوش، وذلك من اجل السيطرة على بترول العراق وتأمين المصالح الإسرائيلية، إلا أن إقناع بريطانيا بالمشاركة في تلك الحرب لم يكن بالإمكان حدوثه لولا أحداث سبتمبر والخسائر التي أوقعتها العمليات الإرهابية للقاعدة في كل من نيويورك وواشنطن.

وبسبب النجاحات المحدودة للقوات الأميركية الغازية على الساحتين الأفغانية والعراقية استطاع الرئيس بوش وحزبه الجمهوري الحفاظ على ولاء الفئات الاجتماعية الحليفة والعودة إلى السيطرة على مجلسي الكونغرس والبيت الأبيض في واشنطن. لكن التطورات الأخيرة على ساحتي القتال الأفغانية والعراقية تشير إلى أن النجاحات العسكرية الأميركية السابقة لم تكن سوى انتصارات محدودة لمعارك، وأنها فشلت في حسم الحرب وكسبها كما كان متوقعا.

وهذا ما يجعلها تبدو في أعين المحافظين وكافة المراقبين السياسيين عبارة عن عملية فاشلة قد لا تستحق التضحيات المبذولة من اجل مواصلتها. فهل ستقوم عملية إرهابية كبيرة كتلك التي وقعت في سبتمبر 2001 بتجديد ولاء المحافظين لبوش وإنقاذ الحزب الجمهوري من الانقسام والهزيمة في الانتخابات القادمة؟

أكاديمي أميركي من أصل عربي

Professorrabie@yahoo.com