في عمان العاصمة الأردنية عقد المؤتمر الثاني العالمي للدراسات الشرق أوسطية،(WOCMES 2) كما سمي،حضره أكثر من ألف وثلاثمئة باحث من كل أقطار الأرض،وهي المرة الأولى التي يعقد فيها المؤتمر في مكان قريب من اهتمام الباحثين أنفسهم وهي منطقة الشرق الأوسط. مثل أي مؤتمر يقال فيه الكثير من الأفكار الناضجة وشبه الناضجة، الأفكار غير الناضجة أيضا.

أما شعار المؤتمر فهو الهلال والرمانة،استمعت إلى أكثر من تفسير في هذا المقام لماذا الرمانة إذا كان الهلال معروفا وينبئ عن منطقة الشرق الأوسط؟ قيل فيما قيل إن الرمانة وهي فاكهة مغذية وفيها الكثير من الفوائد هدف المؤتمر وتعني رمزيا «الديمقراطية»!

ما لفت نظري الحديث في أكثر من لقاء عن الديمقراطية ( الرمانة) وتطبيقاتها في الشرق الأوسط، خاصة في الدول العربية. أجهد بعضهم نفسه في تشبيه المنطقة كونها ( الحفرة السوداء) بالنسبة إلى تطبيق الديمقراطية.

حيث تغلبت كثيرا من الشعوب على نفسها واستطاعت أن تردم هذه الحفرة إلا منطقتنا العتيدة. وفي الأرقام ما يفيد كان هناك حوالي 20 ديمقراطية في منتصف القرن الماضي-1950- من بين دول العالم الثمانين ذات السيادة في ذلك الوقت توصف بذلك الوصف العام.

أما في الثلث الأخير من القرن الماضي وفي عام 1974 بالتحديد أصبح من الممكن تصنيف 40 دولة من دول العالم المئة والخمسين وقتها، كدول ديمقراطية أما اليوم ، بداية القرن الواحد والعشرين، فهناك 120 دولة تتبع هذا النظام،وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ، أي أن 62% من كل بلدان العالم البالغ عددها 193..

هناك سبعون دولة تقريبا لم تردم الحفرة السوداء ولم تحصل بعد على فوائد الرمانة!!المنطقة الوحيدة التي «تعاني» من مناعة قوية ضد الديمقراطية هي منطقة الشرق الأوسط، ومنها بالذات المنطقة العربية. على الرغم من بعض البشائر في بعض بلداننا.

الديمقراطية مفهوم عام وواسع إلا أنه مرتبط ارتباطا وثيقا بالحرية،وهنا يأتي النقد على التطبيق في بعض البلاد العربية على (أكل الرمانة) فمفهوم الحرية غير دقيق وغير مطبق على نطاق واسع في بعض تجاربنا العربية التي تقول بأنها «ديمقراطية» هناك مفهوم دقيق لربط الحرية بالمسؤولية،وان تصادمت الحرية بالمسؤولية، عنى ذلك إهدار للحرية وانقلبت إلى فوضي كامنة أو فوضى ظاهرة وشر مقيم.

بعض تطبيقات الديمقراطية في بعض بلداننا لها علاقة بالفوضى قبل الحرية،والشواهد كثيرة فهناك «تقديس وتنزيه» لبعض قيادة الديمقراطية،وهي احتكار مضاد للحرية، فكيف يمكن مثلا تنزيه رجل أو قائد يعمل بالعمل السياسي ووضعه موضع القديسين الذين لا يخطئون قط، وكيف يمكن لرئيس حزب أو متنفذ سياسي وقائد (ديمقراطي) أن يبقى في القيادة حتى الممات ؟

الديمقراطية تفرض أن كل شيء له وقت وكل فكرة لها فكرة تناقضها، إلا أننا نرى في تطبيقنا للديمقراطية ازدهار مكعب «النون» النصب والنبذ والنفاق. ولا تقوم قائمة ديمقراطية بهذا المكعب الذي يسود الكثير من ممارساتنا. والعجيب أن البعض يرى في نقد الممارسات الديمقراطية «نبذ لها» في الوقت الذي لا يمكن أن تزدهر إلا والنقد لممارستها مكون حيوي لازدهارها.

احد العوامل الرئيسة في نمو وازدهار الديمقراطية بمعناها الحديث هو «التنمية الاقتصادية» وهي أمر لا يلتفت إليها كثير من السياسيين، فدون تنمية هناك عوز وفقر،ودون تعليم حديث يؤهل المواطنين لحياة أفضل لا توجد تنمية،وكثيرا ما يتشابك السياسيون على فكرة التوزيع دون النظر إلى الإنتاج الذي هو أساس الديمومة الاقتصادية.

كما أن الديمقراطية في صيرورتها التاريخية كانت «مكلفة للجنس البشري» في أوروبا على سبيل المثال اضطرمت حرب المئة سنة وحرب الثلاثين سنة،وحروب دينية و قومية كثيرة،وصراع مرير بين الكنيسة والدولة،وبين الكنيسة التقليدية والكنيسة شبه المتحررة، كلها نشرت الخراب والدمار وهدمت مدنا وراح ضحيتها ملايين البشر، ثم تطور المجتمع إلى ما هو عليه اليوم بعد عناء .

أنتجت كل هذه الصراعات فئات اجتماعية جديدة وأطاحت بفئات اجتماعية قديمة، أطاحت بالاقتصاد الزراعي اليدوي وبالإقطاع القائم عليه وتحول المجتمع إلى المنتجات الجديدة الذي قادته الثورة الصناعية، وافرز ذلك الطبقة « البرجوازية» و«النظام الرأسمالي» ، على هذين العمودين، البرجوازية والرأسمالية،بنيت الديمقراطية الحديثة التي نعرفها .

والتي تطورت بمرور الزمن وبمساهمة عقل الإنسان الذي وصل إلى حقيقة أن الصراع المتوحش والعسكري ونبذ الآخر هو عمل عبثي،فاستعاض به حل للصراع عن طريق التنافس المحدد بقوانين تحترمها الأطراف المختلفة.

المفارقة أن الزمن في هذه الصيرورة الديمقراطية الحديثة هو زمن قصير، فقد يستغرب البعض أن ديمقراطية أثينا التي نقرأ عنها في التاريخ امتدت من العام 508 حتى العام 267 قبل الميلاد أي حوالي قرنين ونصف تقريبا من الزمان .

حيث يبلغ عمر الولايات المتحدة 241 سنة في عام 2017، وستظل مدينة أثينا القديمة أطول ديمقراطية حية في تاريخ العالم مع ملاحظة إنها استثنت النساء والعبيد من تجربتها، باختصار أن الديمقراطية الأثينية أطول عمرا من «رمانة الحداثة العالمية» الجديدة التي نتشدق بها .

للديمقراطية الحديثة مقولات أصبحت ثابتة تقريبا،فهي ديمقراطية تمثيلية أي مفروزة من «الليبرالية» ولصيقة بها،وجاهدت لفترة طويلة من الزمن من اجل ضبط الأهواء وتحكيم العقل.

فلم تولد جاهزة كما نعرفها اليوم في الغرب لأن فصل المؤثرات الشخصية عن المصلحة العامة عملية جهادية وقانونية وثقافية طويلة المدى، فالأشخاص المنتخبون في الديمقراطية الحديثة يجب أن يمحصوا كثيرا لان الناس تفوضهم في تحديد مستقبلهم .

فعندما يدفع المواطنون الضرائب على الحكومة أن تقدم المنافع كما على المنتخبون محاسبتها عن صرف المال الذي هو أساسا نابع من ثمرة عمل الناس، هذا بحد ذاته يفرض تنظيم حقوق الملكية، وعقود العمل، وقوانين مكافحة الاحتكار، وهو يعني أن أسوأ ما يمكن أن تصاب به الديمقراطية «فساد الديمقراطيين» أي أن الإصلاح الاقتصادي بكل آلياته يؤسس حجر الزاوية للإصلاح السياسي.

ويتيح حكم القانون، الملكية الخاصة، الحريات المدنية إلى آخره من مستلزمات الديمقراطية الحديثة، إلا أنه يحتاج إلى رجال ونساء واعين بعظم مهمتهم..وبعد أكثر من أسبوع من اليوم ستنضج «الرمانة» الكويتية فأي رمانة ترى سوف نستقبل؟