ما ذا يجري في الصومال ؟ وماذا جرى لهذا البلد العربي ذي التسعة ملايين مسلم .. ؟ .. وهل سيكون توحيد «مقديشو» وبسط الأمن فيها لأول مرة منذ الحرب الأهلية الطويلة هي المقدمة لتوحيد الصومال الكبير من جديد بقيادة القوات الشعبية للمحاكم الشرعية الإسلامية بعد هزيمة تحالف أمراء الحرب الأهلية المدعومين من الولايات المتحدة الأميركية ؟.
عموما لن يقلق من المشهد الحالي هناك إلا من يريد استمرار الفوضى والدم والجوع .
دعونا نتابع بسرعة المشاهد الرئيسية لهذا السيناريو الصومالي لتابع ماجرى ولنتوقع ماسيجري. والبداية مع مشهد احتلال الصومال الكبير وتقسيم النفوذ فيه على الدول الاستعمارية الثلاث ليتحول تحت الاحتلال إلى الصومال الفرنسي، والبريطاني والإيطالي .
ومع عصر المد التحرري في الخمسينات يبرز مشهد الاستقلال في العام 60 وتعلن جمهورية عربية برلمانية برئيس منتخب هو «عدن عبد الله عثمان» الذي سعى إلى وحدة الصومال الكبير، وعبر عن ذلك علم الاستقلال بالنجمة الإسلامية الخماسية لترمز إلى أقاليمه الجغرافية الخمسة، وشعبه المسلم بنسبة مئة في المئة .
. وبدأ مشهد التقسيم مع الاستقلال بسعي فرنسا إلى انفصال الصومال الفرنسي في دولة «جيبوتي» المستقلة، ثم اقتطعت إيطاليا إقليم «أوجادين» لصالح مستعمرتها السابقة إثيوبيا، وبدورها إقتطعت بريطانيا إقليم «نفذ» لصالح مستعمرتها السابقة كينيا ..
ونقفز إلى مشهد وقوع انقلاب بقيادة الجنرال «محمد سياد بري» عام 69 واستمر يحكم الصومال على عكس إرادة القضاة وعلماء الدين في البلاد ليستيقظ الصومال على مشهد جديد عندما أطاحت فصائل القبائل المسلحة بالحكم الشيوعي نتيجة تلاعبه بأحكام الإسلام.
وأعقب انهيار الحكم الدكتاتوري حالة من الفراغ في السلطة مما أدى إلى انقسام البلاد من خلال حرب أهلية عام 91 قضت على الأخضر واليابس، وعمت الفوضى وتبدد الأمن، وانقسمت البلاد من جديد إلى دويلات وإلى كانتونات يحكمها أمراء الحرب .
وفي ظل غياب حكومة أو قانون لاذ الناس بعلماء الدين، وتشكلت محاكم شرعية لكل قبيلة في العاصمة مقديشو، كانت مهمتها الحفاظ على الحقوق وفرض الأمن ومحاكمة المجرمين والمعتدين وقوتها التنفيذية لجان شعبية تطوعية، وهنا برز المشهد الإسلامي جليا وفاعلا مع نجاح تجربة المحاكم في حماية الناس .
وتقديم الخدمات لهم فانتشرت خارج العاصمة وتشكلت منها «اتحاد المحاكم الشرعية» برئاسة الشيخ «شريف الشيخ أحمد» التي نجحت أخيرا في توحيد العاصمة مقديشو لأول مرة بعد هزيمة تحالف أمراء الحرب بعد 15 عاما من التقسيم، ليبرز مشهد جديد هو استهداف الولايات المتحدة لهذه المنظومة الإسلامية بعد سبتمبر 2001 واتهامها بالتطرف وإيواء عناصر من «القاعدة»، بل واتهمتها بمساندة الهجومين على الفندق الإسرائيلي والطائرة الإسرائيلية في «مومباسا».
ومع تصاعد التهديدات الأميركية، قامت القوات الأميركية التي تتخذ من جيبوتي قاعدة لها في إطار ما يسمى الحرب على الإرهاب بالتعاون مع القوات الإثيوبية ببعض المداهمات والغارات على مواقع الاتحاد الإسلامي وتمت مداهمات واغتيالات وخطف لبعض الإسلاميين بتعاون وثيق من «تحالف زعماء الحرب على الإرهاب» من حكام الكانتونات والمدعومين من الـ «سي آي إيه».
فكان القتال حتميا وهو الذي تابعنا أخباره بسيطرة الإسلاميين على الجنوب وعلى العاصمة الرسمية وعلى العاصمة الانتقالية «جوهر». لتتلقى واشنطن في عهد الرئيس «بوش الابن » هزيمة جديدة لخططها و لحلفائها في الصومال بعد هزيمة قواتها المهينة في عهد الرئيس «بوش الأب» عام 93عندما نزل المارينز على شواطئها في حملة «إعادة الأمل» لكنهم سرعان ما فروا مما أسموه «عش الدبابير» الصومالي، عائدين بخيبة الأمل بعد مشاهد سحل جنودهم في شوارع مقديشو بأيدي الصوماليين .
وقد عبر التحالف المهزوم لأمراء الحرب عن الأسف لشعب الصومال، وعبرت واشنطن عن القلق، و ترأس «بوش» على الفور اجتماعا ضم سبع دول أوروبية من حلفائه لبحث الوضع في الصومال في غياب عربي أو إفريقي.
في الوقت الذي دعت الحكومة الانتقالية إلى تدخل دولي لا أعرف أفريقي أم أميركي، يقابله رفض شعبي عبر عنه «اتحاد الشرعية» موضحا عدم نيته السيطرة على الحكم وقبل دعوة الرئيس اليمني «علي عبدالله صالح» للحوار مع حكومة الرئيس الصومالي «عبدالله يوسف» بشرط إلغاء استدعاء التدخل الأجنبي.
فهل تسرعت الحكومة الصومالية بمثل هذه الدعوة المتفجرة ؟ .. وهل يمكن لبوش الابن أن يكرر غلطة بوش الأب بالدخول إلى «عش الدبابير» الصومالية ليلدغ جنود المارينز الأميركان من نفس الجحر مرة أخرى ؟.
mamdoh77t@hotmail.com