اجتاح الغضب بعض المرشحين في الانتخابات الكويتية على اثر قرار وزير الإعلام الكويتي محمد السنعوسي بوقف بث أربع قنوات تتداول في شؤون الانتخابات الكويتية، وشهد التحالف الديمقراطي حملة على الوزير في اتهامه لقمع الحريات.

وتوعد بعض المرشحين بالتصدي لعودته كوزير مع اتهامات أخرى للوزيرين الشيخ أحمد الفهد ومحمد شرار، وتخرج المقالات المؤيدة لتوجه التحالف الديمقراطي محتجة ومتحدية بينما يؤكد المرشحون الآخرون أن وزير الإعلام تجاوز المقبول وتعدى على الثوابت الكويتية في ممارسة الحرية.

وتعبر هذه الحالة عن عمق الحساسية التي تسيطر على العلاقات بين أجواء المرشحين وبين السلطات، وعن حالة الشك والخوف بسبب اتهامات واسعة حول ما يسمى بدور المال السياسي في لعبة الانتخابات.

ودور المال السياسي الكويتي ليس محصوراً فقط في إنجاح المرشح، وإنما يذهب إلى أبعد من ذلك لأن المرشح الفائز يجد أن الممارسة النيابية تفتح أمامه أبواب الثراء في الحصول على امتيازات في شكل أراض صناعية أو زراعية أو هبات لأن الشائع في الكويت أن المرشح المفلس الذي ينجح، يصبح بين ليلة وضحاها .

ـ كما يقول النائب السابق علي البغلي ـ من زملاء الوليد بن طلال وخاشقجي زمانه، لأن من يدفع ألف دينار ثمناً للصوت الواحد يحصل على الملايين في حال النجاح.

والمشكلة في الكويت هي أن الجميع يلعن المال السياسي، النظيف والملوث، والراشي والمرتشي، الفائز عن جدارة والفائز بشطارة المال، وهي قضية كويتية دائمة لأن الفراغ الهيكلي الانتخابي الذي لا يوفر آلية الأحزاب يجعل باب الاجتهادات واسعاً أمام المرشحين.

ويمكن إبداء الملاحظات التالية:

أولاً: المال السياسي ليس بدعة كويتية، وإنما حالة بشرية، يتعرض الإنسان للإغراء والتدجين والتطويع عبر المال والاسترضاء بالامتيازات، وليست هناك تهمة كويتية لم يكن لها أصل في تاريخ البشرية.

وإذا فحصت تاريخ الدول الإسلامية فسنكتشف أن الخليفة عثمان تحمل الكثير من تهم توظيف المال السياسي للمقربين، ونستطيع القول إن الخليفة معاوية بن أبي سفيان أول من مارس توظيف المال السياسي علناً ومارس سياسة الإغراء والاسترضاء في صدامه مع الإمام علي بن أبي طالب.

وفي البادية والصحراء يلعب المال السياسي دوراً، ويلعب الزواج السياسي دوراً آخر، وفي أوروبا في القرون الماضية وحتى منتصف القرن الماضي كان الزواج السياسي بين العلاقات الأوروبية عنصراً مهماً في توطيد الروابط بين الدول وإبعاد شبح الحروب، ولذلك فإن المال السياسي الذي يتحدث عنه الجميع في الكويت ليس بدعة أو اكتشافا محليا، وإنما حالة بشرية عامة.

ثانياً: المخاوف الكويتية من المرشحين ومناصريهم، تتلخص فيما ردده المرشح جاسم الخرافي رئيس مجلس الأمة السابق، في قوله في ندوته:

«هناك دور مطلوب من أبناء الأسرة وعليهم ألا يلعبوا بالنار لأن البلد لا يتحمل، والنار سوف تحرق الأخضر واليابس، وأتمنى من أبناء الأسرة الاقتداء بآبائهم وأجدادهم، وإذا كانت هناك خلافات فهي تعالج داخل الأسرة ولا داعي لاستخدام أساليب بعيدة عن قيم وعادات وتقاليد أهل الكويت، واللبيب بالإشارة يفهم».

ومن حق الجميع أن يعترض على توظيف المال العام لخدمة اتجاه معين سواء لصالح الأسرة أو لغيرها، لأن المال العام ملك لأهل الكويت وليس خزينة خاصة لأحد، ومثلما نعترض على استخدام المال العام في السياسة فإننا نعترض أيضاً على تسعير الأصوات وشراء الذمم.

وتسخير البطاقات الانتخابية للمزايدة في الأسعار، كل ذلك متفق عليه، لكن هناك تبرعات شخصية تقدم إلى المرشحين في دعم الترشيح، وهذه التبرعات هي شكل آخر من المال السياسي الذي يتحدثون عنه.

تتبنى جمعية الإصلاح مرشحين نزلت أسماؤهم وحددت مناطق الترشيح لهم، هؤلاء المرشحون يستفيدون من أموال الجمعية وهي جمعية سياسية دينية وليست جمعية خيرية تعطي الجميع وتدعم المحتاجين، وإنما هي تعطي الذين يتفقون مع مشاربها، وهناك أيضاً الجمعية الثقافية، وآخرون من الأفراد الذين يعطون دعماً لمرشحين يسعون لفوزهم.

وإذا أردنا أن نتحدث عن المال السياسي فلا يمكن حصره بالمال الذي يأتي من أفراد العائلة وأبناء الأسرة، وإنما من الجميع، سواء من الأفراد أو الجمعيات أو الهيئات.

يتحدث مرشحو جمعية الإصلاح بقوة عن مآسي المال السياسي، بينما يتمتع هؤلاء المرشحون بهذا المال الذي يأخذ عدة أشكال، ويتحدث آخرون عن مباذل المال السياسي بينما يحصلون على الدعم غير المعلن من أفراد كثيرين، والسياسية عملية ملوثة ومن حق المرشح جاسم الخرافي ـ رئيس مجلس الأمة السابق ـ أن يقول إن المهم أن نحارب فساد النفوس قبل الفساد العام، ونتوقف عن الإساءة إلى بلدنا..

ثالثا: كيف نوقف فساد النفوس في السياسة؟ لا يمكن تجاوز الفساد في السياسة سواء في الكويت أو خارجها، ولكن يمكن تقليص حالة التأزيم الدائمة الموجودة في الكويت، وربما من المفيد أن نشير صراحة لرئيس مجلس الأمة السابق جاسم الخرافي الذي يقول إن الكويت خسرت رجالاً بسبب استجوابات جاءت لعدم انجاز معاملة مثل يوسف الابراهيم، عادل الصبيح، ومحمد جار الله، ومحمود النوري.

يتحمل رئيس مجلس الأمة مسؤولية الالتزام بالضوابط التي تحمي العمل السياسي، وتصون وقاره، وذلك بالتعاون مع السلطة التنفيذية لتضييق مساحة الواسطة التي اخترعها النواب خاصة من مخلصي الخدمات، وصنفت بعضهم إلى نواب مخالفات ونواب استجوابات، دور الرئاسة هو صون الوقار والحفاظ على هيبة المجلس بوضع لائحة السلوكيات التي تحافظ على كرامة النائب.

وعلينا استذكار حالة الحكومة التي لا تملك غطاء الأغلبية فتحاول الاسترضاء والإغراء وتمارس السخاء، كل ذلك على حساب المصالح العليا للدولة بما في ذلك هدر المال العام الذي يتحدث المرشحون عن حرصهم عليه.

رئاسة المجلس تتحمل مسؤولية الحفاظ على هيبة المجلس وسطوته السياسية والمعنوية، وعليها العمل على إبعاد التخريبات اللفظية والعبارات الشارعية، والسعي لحصر المساءلات والاستجوابات في قضايا تستحق وليس كما يقول رئيس المجلس السابق بسبب عدم إتمام خدمات.

الحالة المتأزمة في الكويت تضر بالجميع، أولها مجلس الأمة، وعلاجها يتم بالحسم والحزم والعدل، من قبل المجلس ورئاسته، ومن قبل الحكومة والصحافة، التي يقول الرئيس جاسم الخرافي عليها أن تساهم في الابتعاد عن التأجيج والإثارة وأن تساعد في إطفاء الحريق، ولها دور كبير وسلطتها ليست هينة.

رابعا: الحالة الكويتية الراهنة فرضت على المرشحين والناخبين التركيز على قضايا محلية صرفة.. المال العام، والفساد، والحريات، ولا يوجد حديث عن مسببات التأزم الدائم، ولا عن دور النواب في إفساد القوانين، ولا عن العلاقات مع دول الجوار، ومع الحلفاء.

ولا عن التعليم، ولا شيء عن أهم عناصر نهوض الدول، وهي الحرية، وسيادة القانون، والرجاحة والعقلانية، أي توظيف العقل والعلم، وليس الحديث عن الأحلام والأوهام، وسلوك الزوج وحقوق الزوجة، وهل تصوت دون موافقة الزوج!

ونعود إلى المال السياسي الذي سألني أحد الأصدقاء عن هويته وعن الطريق الذي يسلكه هذا المال، وذكرت له أنني عندما كنت في أميركا كنت أتبرع للحزب الجمهوري في نيويورك لأن الحزب أكثر حماساً في الدفاع عن الكويت من الحزب الديمقراطي، وواصلت التبرع حتى بعد مغادرتي نيويورك ووصلت إلى عضوية لجنة اختيار الأعضاء في مدينة نيويورك، وتسمح القوانين لكل فرد أن يتبرع طالما أن المال معلن ومن جيبه الخاص.

كاتب كويتي

Abdullah_bishara@yahoo.com