ثلاثة أيام وتحمل امتحانات الثانوية العامة أوراقها لترحل عنا معلنة نهاية عام دراسي يمثل مرحلة من مراحل العمر لدى فئة الطلاب والطالبات الذين يؤدونها لينتقلوا إلى مرحلة جديدة مُؤكَّدٌ أنها مختلفة.
رهبة الثانوية العامة المتوارثة هي الأخرى مرشحة للاختفاء إلى الأبد كما جاء على لسان معالي وزير التربية والتعليم الدكتور حنيف حسن الذي أعلن قبل أيام أن الامتحانات الحالية هي آخر امتحانات للثانوية العامة، إذ تدرس الوزارة حاليا نظاما جديدا للامتحانات يعتمد التقويم خلاله على قياس قدرة الطالب على الفهم والاستيعاب وليس الحفظ والتكرار،.
مشيرا إلى أن الوزارة ستعلن عن هذا النظام في اليوم التالي لإعلان نتائج الثانوية العامة بحيث يبدأ تطبيقه اعتبارا من العام الدراسي المقبل.
هذه البشرى التي زفها معالي الوزير إلى طلبة وطالبات المرحلة المقبلة سوف تنهي عقودا من الرهبة التي زرعتها هذه الامتحانات في نفوس الطلبة والطالبات وحولت الثانوية العامة إلى «فوبيا» يعاني منها الأهالي بالقدر نفسه الذي يتعرض له الطلبة والطالبات من الخوف الذي يتحول لدى البعض منهم إلى رعب يدفعهم تحت وطأة الشعور بأنهم مقبلون على معركة حامية الوطيس إلى اللجوء لوسائل تضر بأبدانهم وعقولهم، وغالبا ما تفشل في تحقيق النتيجة التي يبتغونها، بل ربما أدت إلى تدهور أوضاعهم النفسية وأبدانهم ونتائجهم معا.
لا نريد الخوض في الخلفية التاريخية لهذه «الفوبيا» ومن أين وفدت علينا لأن فتح ملفات الماضي لن يفيد في علاج الحالة، بل ربما أخذ من الجهد والوقت ما نحن بحاجة إليه لرسم خطوات المستقبل بملامحه المبشرة .
وقد غدا التعليم أولوية لدى القيادة، ونال من الاهتمام ما يعكس أهميته ودوره في المرحلة المقبلة من عمر دولتنا التي تعيش مرحلة النضج بعد ثلاثة عقود ونصف من تأسيسها بحيث أصبحت معالم الصورة أكثر وضوحا نستطيع أن نميز فيها البياض من السواد، ونضع أيدينا على نقاط الضعف والقوة كي نعرف مواضع أقدامنا لنحدد معالم الطريق الذي سيقودنا إلى تحقيق الأهداف التي قامت هذه الدولة من أجل تحقيقها لأبنائها.
لا شك أن تصريح معالي وزير التربية والتعليم المبشر بانتهاء عهد «فوبيا» الثانوية العامة يصب في خانة القرارات التي ستطور العملية التعليمية بعد هذه العقود من التجربة الحافلة بالإيجابيات التي ليس من الإنصاف إنكارها، والسلبيات التي ليس من الحكمة غض النظر عنها.
وإذا كانت الدفعة التي أدت امتحانات هذا العام هي آخر دفعة كُتِب عليها أن تعاني من «فوبيا» الثانوية العامة فإن هذا لا يعني أن الدفعات التي ستنهي هذه المرحلة الدراسية العام المقبل والأعوام التي تليه ستصل إلى النهاية وفي فمها ملعقة من ذهب لأنها تحمل معها تراكمات سنوات لا يمكن أن تمحوها السنة الأخيرة من المرحلة.
وإن كان هذا لا يدعونا إلى التوقف كثيرا عند هذه الجزئية بقدر ما يدفعنا إلى السير قدما في عملية تطوير التعليم التي لا نشك في صدق النوايا التي تعمل على تحقيقها والجهد الكبير الذي يبذل فيها.
دفعة جديدة من خريجي الثانوية العامة من أبناء الوطن سوف تنضم بعد أيام إلى حملة هذه الشهادة لتأخذ طريقها إلى التعليم الجامعي الذي هو خاتمة المطاف للغالبية العظمى من الطلاب والطالبات، حيث ستدفع بهم الجامعات إلى سوق العمل، فما الذي أعددناه لهم من فرص ليجنوا ثمرة جهدهم وسنوات تعليمهم؟
سؤال يدفعنا إلى التوقف عند قضية مهمة ونحن نعيش فرحة الذين سيجتازون هذه الامتحانات بنجاح ليبدؤوا حياتهم الجامعية كمحطة أخيرة ينتقلون منها إلى عالم العمل والوظيفة.
هذه القضية هي دراسة احتياجات وواقع سوق العمل لدينا في ظل الحقائق المذهلة التي تسجلها معدلات البطالة بين المواطنين وفقا للأرقام التي تقدمها هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية التابعة لوزارة العمل، إذ بلغ عدد المتقدمين بطلبات عمل إلى الهيئة حتى نهاية العام الماضي نحو 33 ألف طلب، نصف أصحابها من الإناث، يتركز العدد الأكبر منهم في أبوظبي، تليها دبي.
ماذا يمثل هذا العدد الهائل من العاطلين المواطنين في بلد صغير كبلدنا يبلغ عدد سكانه 4 ملايين نسمة تقريبا، يمثل المواطنون فيه أقلية حيث لا تتجاوز نسبتهم 18% حسب أكثر التقديرات تفاؤلا، مرشحة للتناقص خلال السنوات القليلة المقبلة لتصل إلى معدلات متدنية لا يمكن تصورها؟
لا شك أنه مؤشرُ خطير محدق ما لم نعمل على تداركه منذ الآن فإن آثاره المدمرة سوف تنعكس على مجتمعنا قريبا في ظل تنامي اقتصاد البلد وزيادة معدلات البطالة فيه.
ولعل الأرقام المتواضعة التي كشف عنها قبل أيام وكيل وزارة العمل الدكتور خالد الخزرجي حول عدد الشركات التجارية الملتزمة بالتوطين وفقا لقرار مجلس الوزراء الذي صدر عام 2004 تدل على أن هذه الشركات لا تحفل كثيرا بقوانين الدولة ولا تسهم بأي جهد في عملية التوطين.
وهو ما يعني أن اقتصاد البلد المتنامي لا يخدم المواطنين بقدر ما يسهم في حل مشاكل البطالة في دول أخرى ليست من بينها الإمارات، ويعمل على زيادة دخول فئات محدودة وقليلة جدا من أبناء البلد وقطاع أكبر من الأجانب الذين لا تهمهم مصلحة البلد ولا مواطنوه بقدر ما تهمهم مصالحهم وزيادة دخولهم.
هذه الحقيقة تكشفها الأرقام التي قدمها وكيل وزارة العمل حيث جاء في حديثه أن عدد الشركات الملتزمة بالتوطين لم يتعد 33 شركة من أصل 911 شركة خاضعة لنظام الحصص في التوطين، وأن عدد المواطنين في هذه الشركات لم يتجاوز 804 مواطنين من أصل 199 ألفا و740 موظفا يعملون بها، أي بنسبة 004%.
وجاء في إيضاح الوكيل أن أعلى نسبة توطين حققتها شركة من الشركات الثلاث والثلاثين كانت 14%. في حين أن 769 شركة كانت نسبة ما حققته صفرا في المئة! أي أن هذه الشركات لا يوجد فيها مواطن واحد، في الوقت الذي كانت فيه هذه الشركات غير الملتزمة محتاجة إلى توظيف 3185 مواطنا حتى نهاية عام 2005 لتحقيق النسبة المطلوبة البالغة 2%.
وهي الآن بحاجة إلى تعيين 8100 زيادة على الرقم السابق لتحقيق ما نسبته 4% مع نهاية عام 2006. مما يعني أن عدد المواطنين المفترض تعيينهم في هذه الشركات وفقا لقرار مجلس الوزراء يجب أن يكون 11 ألفا و285 مواطنا، لكن عدم التزام هذه الشركات بالنسبة المقررة حرم هذا العدد من المواطنين من الحصول على فرص عمل مستحقة!
هذه الأرقام المخجلة والمحزنة في الوقت ذاته التي صدمنا بها وكيل وزارة العمل ( مشكورا ) تعني أنه كان بإمكان هذه الشركات أن تحل مشكلة ثلث العاطلين عن العمل الذين تزخر بهم ملفات «تنمية» وتتضخم عاما بعد عام، فهل تبقى الدولة مكتوفة الأيدي أمام عدم التزام الشركات بقرارات الدولة وتغليبها لمصالحها على مصلحة الوطن؟
وإذا كنا نطالب بمحاسبة الشركات التجارية ومعاقبتها لعدم إسهامها في عملية التوطين وحل مشكلة البطالة لدى أبناء البلد فماذا نقول في حق الدولة التي تراجعت نسبة التوطين في وزاراتها ومؤسساتها الحكومية بنسبة 7 ,4% في العام 2005 مقارنة بعام 2004 .
كما جاء أيضا على لسان الوكيل الذي أرجع ذلك إلى الغياب التام لاستراتيجية متكاملة لتوظيف المواطنين على مستوى الدولة، واصفا ما يجري حاليا من محاولات متفرقة للتوطين بأنه لا يعدو كونه من باب «ذر الرماد في العيون».
هذا في القطاع الاتحادي فقط «ولا ندري إذا قمنا بدراسة مماثلة على القطاع المحلي بماذا تأتي النتائج والإحصائيات» كما يقول وكيل وزارة العمل الذي يصدمنا (مشكورا أيضا) بأن قوة العمل الأجنبية في سوق العمل بالدولة أصبحت أكبر بكثير من العمالة المواطنة حتى وصلت النسبة إلى مواطن واحد مقابل عشرة وافدين!
لا نريد أن نفسد بهجة الفرحة بالنجاح على طلبة الثانوية العامة، لكننا في الوقت ذاته لا نستطيع أن ندفن رؤوسنا في الرمال ونحن نرى أفواج الخريجين تتوالى .
وتزداد بينما سوق العمل يضيق أمامهم ويتسع لغيرهم، لأن فوبيا البطالة في نظرنا أشد وطأة على النفوس وأخطر على البلد وأبنائه من فوبيا الثانوية العامة التي نحن على وشك التخلص منها. فمتى نتخلص من هذه الفوبيا أيضا ومن يخلصنا منها كي تكتمل فرحتنا وتنزاح عن قلوبنا وعقولنا ومستقبل أبنائنا كل المخاوف والأخطار؟