آخر ما حملته الرسائل وموجات الأثير، من الساحة الفلسطينية يقول ان كفة العقلانية والتبصّر السوّي بالوضع، بدأت ترجح.

بل هي تحمل شحنات من التفاؤل، الوارد من كل صوب، والمبشر بتطورات ايجابية تكون عند حسن ظنّ الشارع الفلسطيني والرأي العام العربي، بل كل مهتم ومتعاطف مع القضية الفلسطينية. فحوى البشارة ان الاتفاق العريض بين القوى المتصارعة، وبالتحديد «فتح» و«حماس»؛ بات قاب قوسين. مسألة يوم أو يومين. بعد الذي جرى.

كان لهذه الاشارات وقع طيب،، بل وقع الموعود المرغوب، وفي الوقت ذاته المستبعد حصوله، لفرط ما جعلته الأحداث بعيد المنال. وهذا أمر طبيعي. وفي هذه الحالة، لسان الحال يقول: هل هي اشاعة أم انها بوادر انفراج فعلي قادم، نضجت ظروفه ولا خيار سواه؟

ثمة مفارقة مؤلمة يعيشها الوضع الفلسطيني، منذ أشهر. فهو من جهة، يرزح تحت وطأة احتلال إسرائيلي، لا تتوقف جرافته العدوانية على البشر والشجر والحجر ولم يبق أمامه سوى سدّ مجاري الهواء عن الشعب الفلسطيني؛ لو أمكنه ذلك. ومن جهة ثانية فهو يتلوّى تحت معاناة مريرة، من صنع محلّي، تكاد تطحنه وتستنزف ما بقي لديه من طاقة على الاحتمال.

ووجه الفجيعة أن الهمّ الثاني، الداخلي، لشدة وطأته، يتقدم على الأول، كأولوية ضاغطة بل قاتلة، فالفترة الأخيرة شهدت من التدهور والصراعات الداخلية المسلحة، ما جعل احتمالات الحرب الأهلية الفلسطينية تبدو وكأنها صارت محتومة الوقوع.

السلاح الفلسطيني، الغارق في بحر من الفوضى، ارتدّ على نفسه وبدرجة أثارت موجة عارمة من الإدانة والتحذير؛ بالترافق مع ضغوط ودعوات لتحكيم العقل ووقف العبثية والانجرار إلى دوامة النّحر والانتحار، وحتى الشارع الفلسطيني أو على الأقل بعضه، نزل إلى الساحة للتعبير عن غضبه من ممارسة لعبة «القط الذي يلحس المبرد».

فعلت هذه الأجواء، على ما يبدو، فعلها، تراجعت الصدامات وتكثّفت اللقاءات؛ التي بدأت ترشح عنها تلميحات وتسريبات؛ فحواها أن اتفاقاً واسعاً قيد الصيرورة؛ ربما يبصر النور غداً الثلاثاء أو بعده؛ وهو يشمل حزمة من القضايا المختلف عليها.

والتي قد تكون البوابة لخطوات عملية تترجم هذا التوافق، على رأسها تشكيل حكومة جديدة؛ إما من «التكنوقراط» وإما تكون «حكومة وحدة وطنية تضم كافة الأطراف»، تقوم على «برنامج موحد».

رئيس الحكومة، إسماعيل هنية، تحدث صراحة بما يعزز هذا التفاؤل، وكذلك فعل وزير خارجيته؛ الذي تناول بعض النقاط بالتفصيل، ومثله كان موقف المسؤولين في السلطة و«فتح». وللتوكيد، تردد أنه جرى الاتصال بأمين عام الجامعة العربية لتسجيل التقدم الذي تحقق وبعث إشارات التطمين.

السوابق تفرض الحذر. حالات مماثلة في الماضي، كان مصيرها من نوع «اسمع تفرح جرِّب تحزن» انسحاب هذا القول على الحالة الراهنة ليس بالضرورة بمثل هذه الميكانيكية. الظروف مختلفة والكل أمام المسؤولية التاريخية التي لا ترحم؛ كما أمام الجرافة الإسرائيلية التي لن تعفي أحداً من الجانب الفلسطيني. فهل نحن على موعد قريب مع ظهور الدخان الأبيض من قاعة الحوار الفلسطيني؟ لا بديل.