استطاع الشعب الفلسطيني بصموده وثباته على أرض فلسطين من تقزيم المشروع الصهيوني القائم على احتلال أوسع نطاق ممكن من الأرض العربية والفلسطينية بشكل خاص.
واستطاع أيضاً أن يدفع عتاة الصهاينة للتفكير مجدداً بأن لا جدوى من الإصرار على مشروع الدولة «اليهودية النقية» التي أصبحت خلف التاريخ.
فاضطر رمز اليمين الصهيوني العقائدي ارييل شارون لطرح المشروع الأقل ضرراً له والمسمى بـ «الانسحاب من طرف واحد»، في سعيه الحثيث للانفصال عن الفلسطينيين وتحديد حدود الدولة الإسرائيلية بعد اقتطاع مساحات معينة من الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وفي ميدان عمله الجديد، وفي موقعه الأول في الدولة العبرية الصهيونية، استعار ايهود أولمرت خطة نبيه الروحي وملهمه الأيديولوجي ارييل شارون للفصل الأحادي في الضفة الغربية والقدس، مقدماً اياها في حلتها المستجدة تحت عنوان «خطة الانطواء».
ولعل في الاسم الجديد ما يساعد أولمرت على ركوب موجة الوضع الدولي وتقديم نفسه باعتباره الساعي لإيجاد حلول التقاطع مع الطرف الفلسطيني، وتقديم حلول أسماها «مؤلمة» بالنسبة لإسرائيل من حيث الانسحاب من أجزاء من الضفة الغربية، وإعادة انتشار القوات الإسرائيلية على أجزاء إضافية، وإدخال الباقي منها إلى ما وراء الخط الفاصل بين فلسطين 1948، والأرض المحتلة عام 1967.
وأخر ماتفتقت به عبقرية ايهود أولمرت وطاقم حزبي كاديما والعمل، الدعوة لتقسيم ومرحلة خطة الانطواء، وتقديمها كحل ينفذ بالجرعات أو بالنبضات، في مبتغى سياسي يهدف لتحقيق غرضين في آن واحد. فالغرض الأول يهدف إلى تمرير الحل وتجريعه لجمهور اليمين وقوى الاستيطان بالتقسيط.
والغرض الثاني يهدف إلى حصد المزيد من التأييد الدولي لسياسة حكومة أولمرت مع كل جرعة يتم تمريرها من خطة الانطواء. وعليه، فـ «الآلية» التي ينظر فيها اولمرت الآن تكمن في تقسيم خطة الانطواء إلى ثلاث مراحل متدرجة.
فالمستوطنات المرشحة للإخلاء ستنقسم إلى ثلاث مجموعات وخطة الانطواء ستنفذ على ثلاث فترات زمنية منفصلة، من الغرب إلى الشرق. ففي البداية يتم إخلاء المستوطنات في القسم الغربي من الضفة الغربية، وبعد ذلك في المناطق المرتفعة، وفي المرحلة الأخيرة تصل خطة الانطواء إلى منطقة غور الأردن.
حيث يفترض بإسرائيل أن تحتفظ لنفسها بتواجد عسكري دائم حسب المبادئ المتبلورة في لجنة التوجيه برئاسة مدير عام وزارة الخارجية أهرون ابرموبيتش. وعليه فان خطة الانطواء تتقلب الآن على الصفيح الساخن باتجاه توليد الظروف المناسبة لاقلاعها.
وحسب هذه الخطة، تتنازل إسرائيل عن الإعلان أو الاعتراف الدولي بالحدود المؤقتة التي تنسحب إليها في كل مرة، فقط بعد المرحلة الثالثة يأتي دور الاعتراف الدولي، اذا ما وعندما يتحقق تقسيم خطة الانطواء إلى ثلاث مراحل سيجعل أيضا من السهل إمكانية التنسيق فيها مع الرئيس محمود عباس وفق التقديرات المتواترة من مكتب أولمرت.
ومع أن ايهود اولمرت قد حظي في زيارته الأخيرة إلى واشنطن بالتأييد والإسناد لخطته، إلا أنه لن يتلقى موقفاً أميركياً بأن تعترف الولايات المتحدة بخطوط الانسحاب التي ستنسحب اليها اسرائيل بعد تنفيذ خطة الانطواء كحدود دائمة للدولة العبرية.
فحسب المصادر الأميركية، يجب التمييز، بين التأييد المبدئي لخطة الانطواء، والذي يعني إخلاء مستوطنات عديدة، وبين منح مصادقة أميركية على الحدود التي ستقررها إسرائيل من طرف واحد.
وتنصب مساعي أولمرت الآن على اقناع الأميركيين بوصف خط الانسحاب بانه «الخط الأخضر بتعديلات طفيفة»، باعتبار أن التعريف المشار إليه لا يتناقض مع كتاب الرئيس جورج بوش لارييل شارون في ابريل 2004 وهو أكثر واقعية من التبني الجارف لخط الحدود الجديد الذي يحلم به اولمرت.
من جانب أخر، ومع أن خطة الانطواء لا تزال في مهدها، فان المستوطنين اليهود فوق الأرض المحتلة عام 1967 بدأوا بالاستعداد المعنوي لتقبل ما أسمته الصحف الإسرائيلية بـ «الأمر الواقع».
فحسب استطلاع أجرته شركة جيوكرتوغرافيا، ونشرت نتائجه الصحف الإسرائيلية يوم 31/5/2006، فان 44% من المستوطنين يعلنون بأنهم سيكونون مستعدين لإخلاء منازلهم اذا قررت الحكومة ذلك - بالقياس إلى معدل استعداد للإخلاء بقدر 25% فقط في يونيو من العام الماضي (عشية فك الارتباط عن غزة)، ومعدل استعداد بمقدار 35% في شهر أغسطس 2004.
وقد اجري الاستطلاع في أوساط عينة تمثل المستوطنين. وحسب نتائج الاستطلاع، ففي أوساط المستوطنين العلمانيين يبلغ معدل الاستعداد للمغادرة الطوعية 64%.
وفي أوساط التيار اليهودي المتطرف يبلغ معدل الاستعداد 47%، بينما في أوساط تيار اليمين القومي الصهيوني، فقد وافق 23% على القول انهم سيكونون مستعدين لإخلاء منازلهم مقابل تعويضات مناسبة.
من جانب آخر، وحسب إدارة جيوكرتوغرافيا، فان أعداد المستوطنين الفعلية في المناطق المحتلة عام 1967 عدا القدس الشرقية، يبلغ نحو ربع مليون نسمة يقيمون في نحو 55 ألف منزل، قيمتها العقارية مع موجوداتها، تبلغ 9-10 مليارات دولار.
