هناك شخصيات يهودية تعارض السياسة الإسرائيلية. وهناك شخصيات فلسطينية تضع نفسها في خدمة إسرائيل، هذه الشخصيات اليهودية الفريدة تنطلق من استقلالية فكرية وذهنية موضوعية ترى الحق حقاً والباطل باطلاً، أما الشخصيات الفلسطينية فإنها تنطلق من دوافع طموح ذاتي غير شرعي يفضي بصاحبه إلى الخيانة والعمالة دون أن يرف له جفن.
الحديث ليس بغير مناسبة. فقد طالعت في الأسبوع الماضي في صحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية مقالة تحليلية تدافع بقوة عقلانية عن حقوق الشعب الفلسطيني.. ويستشهد الكاتب بآراء شخصية أخرى غير فلسطينية وذات وزن.
طرح مثل هذا الموقف في وسائل الإعلام الغربية ليس مثار استغراب.. بل وإن هناك عدداً من الكُتَّاب الغربيين من أمثال ديفيد هيرست وروبرت فيسك ووليام فاف ممن اشتهروا بالتخصص في الشؤون العربية كمدافعين موضوعيين.
الغريب أن صاحب مقالة فاينانشيال تايمز والخبير المتخصص الذي استشهد بآرائه كليهما يهوديان.
الكاتب هنري سيغمان ـ يهودي أميركي ـ يقول إنه بات ثابتاً أن إسرائيل مصممة على عدم الاعتراف بأي حق للفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة حقيقية في الضفة وغزة. ولدعم ملاحظته يستشهد سيغمان برؤى وملاحظات أفريم هاليفي.. وهو يهودي إسرائيلي.
هاليفي ليس شخصية يهودية إسرائيلية عادية. فقد كان رئيساً سابقاً لجهاز الموساد الإسرائيلي خلال عهود خمس حكومات إسرائيلية وعمل كمستشار للأمن القومي في عهد آرييل شارون.
في سياق محاضرة ألقاها على مؤتمر لرؤساء المنظمات اليهودية الأميركية في نيويورك الذي عقد مؤخراً قال هاليفي إنه يعتقد أن الجهود الإسرائيلية والأميركية للإطاحة بحكومة «حماس» جهود غير موفقة، بل أنها تضر بمصالح إسرائيل الحيوية.
وفي إشارة إلى مكانة حماس يقول «إن أي أحد يعتقد أن من الممكن تجاهل مثل هذا التنظيم الأساسي في المجتمع الفلسطيني هو ببساطة مخطئ».
ويتساءل هاليفي: لماذا تصر إسرائيل على ضرورة اعتراف حماس بحقها في البقاء بينما لمدى أربعين عاماً بعد حرب عام 1967 وحتى الآن تمنع إسرائيل قيام دولة فلسطينية؟، والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح إذن ـ يواصل هاليفي ـ هو عما إذا كانت إسرائيل تعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة وليس العكس.
وفي تعليقه على هذا الطرح الصريح من شخصية إسرائيلية مرموقة يقول الكاتب هنري سيغمان إن حكومة إسرائيل عاقدة العزم على أنه حتى لو نجح الاستفتاء الذي يتبناه الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأسفر عن تأييد الأغلبية الشعبية الفلسطينية للاعتراف بإسرائيل، وحتى لو شاركت حماس في العملية الاستفتائية فإن إسرائيل لن تقبل به كأساس لعملية سلام.. وبالتالي ستواصل رسم الحدود بطريقة أحادية.
وبعد.. هذان يهوديان من أهل الفكر والخبرة لا يترددان في فضح مرامي السياسة الإسرائيلية بينما نجد شخصيات قيادية فلسطينية اختارت لنفسها الجلوس في خندق واحد مع إسرائيل والولايات المتحدة ضد شعبها.
ومن يعش ير!