كثيرون كانت تعلو وجوههم الدهشة، في كل مرة يرون فيها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وهو يقبل يد مادلين اولبرايت او خليفتها كوندوليزا رايس، في اي لقاء يجمعه معهما، وهو الأمر نفسه كان يحدث عندما يشد عرفات يد الرئيس بيل كلينتون إلى صدره، خلال اللقاءات الكثيرة التي تجمعهما معا.

مكمن الدهشة اننا في الشرق لا نعتاد على ان يقبل الرجل يد المرأة، خاصة اذا كان سياسيا بارزا، وهذا لا يعني تقليل الاحترام من شأن المرأة، لكن تلك هي التقاليد التي تحكم هذه المنطقة، الأمر الذي جعل البعض يرجع تصرف عرفات إلى أشياء كثيرة.

منها محاولته التودد إلى القوة الأكبر عالميا باللغة التي يفهمها الغرب، او التحرر من القيم «الجامدة» التي تتحكم في هذه المنطقة، أو رغبته في ان يبدو اقرب إلى «جنتلمان انجليزي» يفهم ويعرف ويتقن لغة احترام المرأة.

لم يعرف احد السبب الحقيقي وراء مثل هذه التصرفات، وذهبت روح الرجل إلى خالقها وظل الأمر طي الكتمان، وأصبحت سرا خافيا او لنقل «تعويذة» لا يعرف احد فك طلاسمها، خاصة وانه كان الوحيد في هذه المنطقة الذي قام بهذا الأمر، رغم ان هناك الكثير ممن كانوا يرغبون في ان ترضى عنهم الولايات المتحدة، لكنهم لم يقدموا على تقبيل يد وزيرة خارجيتها.

لكن يبدو ان هذا السر لم يعد طي الكتمان منذ وصول حركة حماس إلى السلطة، إذ اتضح ان ذلك الكيان الذي اقامه عرفات على الارض الفلسطينية منذ عام 1994 بموجب اتفاقيات اوسلو- ونعني به السلطة الوطنية وما تضمه من اجهزة حكومية وقوات امنية وموظفين في كل القطاعات - كانت شرايينه المالية كافة في يد الغرب، الذي يغدق عليها بالمساعدات لتواصل الحياة.

ومن ثم فان عرفات عندما يقدم على طبع قبلة على يد اولبرايت او رايس، فلأنه يدرك ان هذه القبلة هي قبلة الحياة لشعبه ومواطنيه، في ظل هذا الغياب الملحوظ للدعم المالي العربي، والذي حتى وان وجد - كما نلحظ الآن من خلال استعداد البعض لدعم حكومة حماس ماليا- فانه يحتاج بلا شك إلى تلك القبلة لكي تقبل البنوك تحويله إلى الأراضي الفلسطينية.

ان الحصار المالي الشديد علي حكومة حركة حماس، جعلها غير قادرة حتى على الايفاء برواتب الموظفين، واضطرها إلى اتباع أساليب عدة لإدخال بعض الأموال إلى الأراضي الفلسطينية، مثل الحقائب العابرة مع وزرائها إلى قطاع غزة، يفسر إلى حد كبير ما كان يفعله عرفات، بل ويكشف بشكل واضح وجلي عن حجم المأساة التي تعيشها القضية الفلسطينية وتعقد خيوطها إلى حد لم يسبق له مثيل حتى في اوقات الهزيمة العسكرية أمام العدو الصهيوني.

والمأساة هنا لها اوجه عدة، اولها ان الخيارات المتاحة أمام «حماس» لتجاوز هذا الوضع محدودة للغاية، بل تكاد تكون منعدمة، نظرا إلى ان الحركة، لم تكن مستعدة في الواقع لخوض غمار السياسة، وما تتطلبه من « تنازلات» لا تستطيع الأقدام عليها، والا احترقت مبادئها التي أوصلتها إلى الحكم، وأفقدتها عذريتها الثورية التي اكسبتها احترام وتقدير وثقة شعبها.

الوجه الثاني للمأساة، يتمثل في هذا الصمت العربي الرهيب تجاه حرب التجويع التي يواجهها الفلسطينيون، والصمت لا نعني به الامتناع عن الكلام، بل ان الكلام والتصريحات وبيانات الدعم هي الوجبة الاسخن عربيا.

لكنها للاسف لا تسمن ولا تغني من جوع، بل الصمت هنا يتمثل في الامتناع عن القيام بأفعال جدية تساهم في رفع سيف الحصار المسلط على رقاب الفلسطينيين، مثل الايعاز للبنوك بتحويل اموال المساعدات والتبرعات المكدسة في المصارف العربية، وعدم الالتفات إلى التهديدات الأميركية لأنه اذا كان هناك قرار جماعي، فلن تستطيع الولايات المتحدة معاقبة الجميع..

لكن يبدو اننا نمني انفسنا بالمستحيل، اذ ان هناك جانبا كبيرا من العرب، لم يكلف نفسه التعبير عن الغضب في بيان يدين به جريمة الاغتيال الاسرائيلية المتوحشة، لعائلة الطفلة هدى غالية على شاطئ غزة!!

اما الوجه الثالث للمأساة -ونعتقد انه الاخطر- فهو انه اذا كانت كل الشرايين المالية للسلطة الفلسطينية بيد الغرب على هذا النحو، فكيف يمكن اذن لأي من كان متربعا على هرمها، ان يحصل على حقوقه المشروعة العادلة، في ظل هذا الانحياز الاعمى للدولة العبرية، وعدم توفر الخيارات والبدائل التي تسمح له بقول...لا؟

إذن في ظل هذه المأساة الكبيرة، فإننا لا نعتقد ان «حماس» قادرة على ان تطبع قبلة على يد واشنطن، بل ونرى انها تقترب -كلما زاد ضغط الحصار - من المربع الأول.. أي مربع المقاومة الذي يحميها من آلام امعاء شعبها الخاوية، ومن ممارسات تتطلبها السلطة والسياسة كانت هي أول من وقف لها بالمرصاد في الماضي.