جولة خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على مناطق المملكة والتي شملت حتى الآن المنطقة الشرقية, وحائل والقصيم, لا تعتبر فقط تحقيق مواجهة مباشرة بين القيادة السياسية, في أعلى مراتبها, وبين أبناء هذه المناطق وحسب, تتيح الاطلاع على أحوالهم وأوضاعهم, بل هي ايضا بداية كتابة تاريخية جديدة لشعب سعودي في كامل وحدته, وتأكيد على تجاوز هذا الشعب لكل الموروثات القديمة ولما يتوازى معها من قصائد النبط, وروايات العازفين على الربابة وما تتضمنه من مبالغات.

جولة خادم الحرمين, بمقابلها التاريخي هذا, هي ايضا إشراف مبكر على مراحل ازدهار ستعم كل المناطق في هذه المملكة القارية الشاسعة, وستؤدي الى مزيد من الاستقرار والامن وانتفاء أسباب الامتعاض والتذمر والتطرف على خلفية محرومية من هنا, وإهمال للدولة من هناك.

يضاف الى هذا ان الجولة الملكية تعاملت مع مفاهيم شائعة في تلك المناطق بروح دافعة الى التغيير والتخلي, وعلى أساس ان هذه المفاهيم, لو ظلت على قوتها في الانتشار, فإنها ستسيء لمعاني وحدة الشعب السعودي, وستؤدي الى تفريق صفوفه.

في القصيم, وهي المنطقة المشهورة بنظرتها الخاصة الى القيم الاجتماعية, ولا نقول عنها شيئا آخر, أعلن الملك عبدالله رفضه المطلق للتصنيفات التي بدأت تشيع من ألقاب ونعوت مثل كلمة »علماني« و»ليبرالي« و»اسلامي متطرف« و»منافق«, والتي تصدر من أشخاص »إما عن جهل أو سوء نية«, مشددا على ان جميع أفراد الشعب السعودي »مخلصون«, ورافضا الشك في عقيدة أحد منهم او وطنيته. وفي هذا السياق حرص خادم الحرمين على الكشف عن ان البلاد مقبلة على مستقبل واعد وخير ونماء سيعم جميع المناطق, وسيدخل كل بيت, وسيشمل جميع المواطنين.

وفي هذا التوجه تمادى الملك عبدالله في مفهوم لم يتبدل ولم يتغير منذ ان وحد الملك المؤسس عبدالعزيز هذه البلاد الكبيرة, وهو ان المملكة جسم واحد ولا يتشكل من شعوب ومن قبائل. ودائما, وعلى خلفية هذا المفهوم كنا نعلن عن قناعتنا بأن السعودية هي قاطرة هذا الاقليم الخليجي, وهي التي تحتوي على ثلث احتياطي النفط في العالم, ولذلك لن يكون مسموحا العبث بمكوناتها, وخلق صراعات بداخلها.

الآن يأتي أناس فيحاولون تصنيف الناس, وتوزيعهم على المعتقدات والمفاهيم والمناطق, فلا يمكن السكوت على محاولاتهم ولا يمكن الا العمل على إحباطها, وهكذا فعل خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز من اجل ان تنقشع هذه الاجواء الفاسدة التي تفرق الناس بينما هم موحدون, هكذا من دون دليل, بل لمجرد اختلاف وجهات النظر.

كلام الملك, وهو ملك الكلام, وصل وصار معلوما, وهو كلام القيادات الواعية على ما تقول, والعاملة على التطبيق... تلميحات هذه القيادة كناية عن تعليمات, وليست كلاما عابرا. ونذكر أنه منذ بدأ الكلام عن وسطية الدين بدأ باشارة وانتهى عملا وتنفيذا, وكذلك الامر عن المال العام الذي بدأ الكلام عنه بالاشارة وانتهى عملا تجسد بهيئة مشاريع اقتصادية كبرى.

دعونا نسمي عهد الملك عبدالله بعهد تطبيق الطموحات وتحقيق الاحلام, اي أحلام ما كان الناس يسعون إليها وهي العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة, وهما القضيتان اللتان تاجر بهما الكثيرون في الخارج وجعلوا منهما برنامجا للمعارضة وللاصلاح.

الآن لم يعد هناك مجال للمتاجرة بوحدة الشعب السعودي, ولا بادعاء مظلومية واقعة عليه في عهد يحقق أحلام الناس التي تعرضت لمتاجرة المتاجرين الذين صوروا, خطأ, ان المملكة كلها ترقص فوق صفيح ساخن.