في ظل الحوار المتعثر حول استراتيجية وطنية فلسطينية طال انتظارها منذ ما قبل الانتخابات وازدادت مصاعب التوصل إليها في ظل التجاذبات الحاصلة، أصبح الحوار المطلوب رهينة لمواقف متواجهة في موضوع الاستفتاء المقرر يوم 26 يوليو .

والذي يربط الرئيس الفلسطيني إلغاءه بنجاح الحوار الوطني. لكن الاستفتاء زاد من تعقيدات أجندة الحوار الوطني ودخل الوضع الفلسطيني في لعبة تربيع الدوائر.

في ظل الحوار المتعثر يبدو أن الصراع الفلسطيني الذي يتعسكر مع الوقت ويزداد عنفاً ومع العنف يزيد من مخاطر إحداث شروخ في جسم متعب ومنهك أساساً، يبدو أن هذا الصراع يتجه نحو لعبة التطهير التنظيمي المتبادل.

حماس تحاول السيطرة على غزة في حين تحاول فتح الشيء ذاته في الضفة، كل يريد في منطقة نفوذه التاريخي التقليدي إلغاء الآخر، مما قد يهيئ لاحقاً لما يحذر منه كثيرون ويتخوف منه الجميع وهو إلغاء السلطة الوطنية الفلسطينية وسقوطها وتحولها كلياً إلى سلطة صورية، وقيام سلطتي أمر واقع سلطة حماسية، وأخرى فتحاوية في «دولتي» غزة والضفة الغربية.

في ظل الحوار المتعثر، وفيما يستمر إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل في جولته على العواصم الدولية «لبيع» مشروعه للانطواء أو الانسحاب الأحادي تعمل إسرائيل على خطين متكاملين: أولاً التصعيد في سياسة الاغتيال المستهدف بحيث نرى كل يوم قانا غزاوية جديدة وثانياً العمل عسكرياً وسياسياً على دفع الفلسطينيين إلى اليأس الكلي ليخرجوا رسمياً وفعلياً من «السياسة» فيلغي الطرف الفلسطيني من الخارج مواكباً عملية إلغائه الذاتي من الداخل.

نحن أمام مشهد سوريالي، شعب وقضية محاصران من الخارج ومن الداخل في حروب إلغاء أياً كانت عناوينها ومسبباتها. الوضع الفلسطيني اليومي يقف أمام مأزق مزدوج: داخلي وإسرائيلي. لقد صار هذا الوضع مرآة في جزء أساسي منه للصراعات والتجاذبات الإقليمية والدولية أسيراً لها ومرتهناً لدينامياتها.

ماذا عن الاستفتاء ومفارقاته: إن وثيقة الأسرى تفقد كل يوم من تأييد بعض أهلها مما يضعف من قوتها التمثيلية ثم إنها تبدو أكثر تشدداً وأعلى سقفاً وأكثر عمومية من مبادرة السلام العربية وبالتالي ترفع سقف التفاوض.

وقد تشكل تقييداً على السلطة لاحقاً في التفاوض، فيما لو اعتمدت هذه الوثيقة كإطار تفاوضي وهي أيضاً في عموميتها وبعض ضبابيتها مفتوحة للتأويلات والتفسيرات المختلفة.

ثم ماذا لو سقطت الوثيقة في الاستفتاء بعد أن صارت أحادية التمثيل في ظل مناخ يزداد ضغطاً وحصاراً وتنكيلاً وقتلاً للشعب الفلسطيني، أو ماذا لو نجحت فأحرجت حكومة حماس ولكن هذه الأخيرة قد تحول هذا الإحراج إلى إحراج للسلطة بسبب السقف المرتفع للوثيقة محاولة تقييد السلطة بواسطة الاستفتاء الناجح. كلها أسئلة وتساؤلات حاملة للعديد من المفارقات.

لكن مشروع الاستفتاء في حقيقة الأمر يعكس أربعة أشكال من صراع الشرعيات: أولاً الشرعية المؤسسية فهل تملكها السلطة ممثلة بمؤسسة الرئاسة وبالرئيس تحديداً أم الحكومة المنبثقة عن انتخابات تشريعية كانت الأكثر ديمقراطية دون شك من حيث التمثيل في العالم العربي ثانياً:

الشرعية السياسية ضد الشرعية القانونية فلا يوجد قانون يلحظ الاستفتاء في حالات معينة أو ينظم هذا الأخير لكن غياب هذا الأمر يسمح بالقول بالاستفتاء لأسباب سياسية ولو دون قاعدة قانونية واضحة.

ثالثاً: الشرعية التنظيمية والشعبية بين حركتي فتح وحماس ويعتبر البعض الحركة الأخيرة وكأنها فتح الأمس. كل يحاول أن يمتلك ثقة الشعب طالباً شيكا على بياض لشرعيته التاريخية أو العقائدية باعتبار أن الاستفتاء لن يقدم ولن يؤخر في الموقف من عملية التحرير الوطني.

رابعاً: الشرعية الاستراتيجية بين منطق الدولة ومنطق الثورة، بين خيار السياسة التي تبدو أحياناً مفرطة في تنازلاتها وفي إدارتها لدبلوماسية التسوية مع إسرائيل وخيار «العقائدية» التي تبقى جامدة ومطلقة في طروحاتها، الخيار الأول ضعيف لفقدانه الأفق السياسي التسووي الذي يفترض ان يوفره الطرف «الثالث» الخارجي القادر والداعم والمحرك والمواكب للتسوية.

والثاني قوي بسبب غياب ذلك الأفق. لكن عودة الأفق السياسي واحتمال انطلاق قطار التسوية العادلة والشاملة، رغم استبعاد ذلك في الأفق المنظور بسبب المؤشرات العديدة القائمة، يقلب معادلة الضعف والقوة بين الخيارين.

الصراع حول الاستفتاء الذي يتم تحت ضغط واقع الأحادية الإسرائيلية يعبر في جانب أساسي منه عن صراع أحاديات فلسطينية: أحادية السياسية بالمطلق وأحادية الصراع بالمطلق، في حين أن المطلوب من الحوار الوطني، حوار بلورة إستراتيجية وطنية، احداث ربط عضوي بين العمل السياسي والعمل المقاوم لتحديد شروط الاندراج في العملية السياسية الوطنية على الصعيدين الداخلي والخارجي.

فلا الرهان الكلي على «الخارج» ولا الانقطاع الكلي عنه كفيل بالخروج من النفق الذي يزداد ظلمة بقدر ما يزداد انسداداً بأياد فلسطينية أيضاً هذه المرة.